انتخابات سطات.. المقاعد لثمانية والفاتورة للجميع!
انتهت الحملة، أُغلقت الصناديق، أُعلنت النتائج، واحتفل الفائزون… لكن يبدو أن صندوق سطات لم يكن كريماً هذه المرة، بل كان محاسباً شرساً؛ أخذ من الجميع، وأعطى البعض مقاعد، وترك للجميع تقريباً فاتورة ثقيلة اسمها: الثقة المفقودة!
استُنفرت الإمكانات، تحركت الماكينات، امتلأت السيارات، اشتغلت الهواتف، وتكاثرت اللقاءات والوعود والولائم… ثم جاء الصندوق، بكل برودة أعصابه، وقال كلمته بلغة لا تعرف المجاملة: الأرقام!
مشاركة في حدود 41 بالمائة لا تحتاج إلى كثير من التأويل. إنها رسالة انتخابية ثقيلة، تقول إن أغلبية المسجلين فضّلت البقاء بعيداً عن الصندوق، وكأن كل ذلك الضجيج لم يكن كافياً لإقناعها بأن الأمر يستحق عناء المشاركة.
هل هو عزوف؟ احتجاج صامت؟ عقاب انتخابي؟ أم أن الناخب السطاتي أصبح ببساطة أكثر حذراً، ولم يعد مستعداً لمنح شيك انتخابي على بياض لمن يطرق بابه في موسم الانتخابات ثم يغيب إلى إشعار آخر؟
سادتي الكرام،
الصندوق هذه المرة لم يكتفِ بفرز الأصوات، بل فرز أيضاً الأوهام. كشف أن بعض ما كان يُقدَّم باعتباره “رصيداً انتخابياً” قد يكون مجرد رصيد في دفاتر التقديرات، وأن بعض “المفاتيح الانتخابية” لم تعد تفتح كل الأبواب، وأن بعض الماكينات تحتاج، بعد هذه النتائج، إلى أكثر من تغيير الزيت!
والأكثر دلالة أن وجوهاً وأحزاباً دخلت السباق متأخرة نسبياً، واستطاعت أن تنافس أسماء وأحزاب كانت تبدو، إلى وقت قريب، وكأنها صاحبة امتياز حصري في توزيع الأصوات. بمعنى آخر، تغيرت اللعبة.
فالناخب لم يعد بالضرورة ينتخب من يملك أكبر عدد من السيارات، أو أكبر تجمع، أو أكثر المؤثرين حوله. قد يستمع للجميع، يبتسم للجميع، يصافح الجميع… ثم يدخل المعزل الانتخابي ويقول في سره: “شكراً للجميع… سأقرر وحدي!”
وهنا تكمن المفارقة: الجميع دخل الحملة مقتنعاً بأنه يعرف الناخبين، بينما خرج الناخب من الصندوق ليقول للجميع: لا أحد يملكني! أما الفائزون، فهنيئاً لهم المقاعد وفق النتائج المعلنة في انتظار مآل الطعون وهويتها وماهيتها. لكن المقعد البرلماني ليس نهاية الحكاية، بل بداية الامتحان الحقيقي.
فمن الخطأ اعتبار النتيجة تفويضاً مفتوحاً للحديث باسم كل سكان الإقليم. هناك من صوت، وهناك من لم يصوت، لكن الجميع يسكن الإقليم نفسه، ويحتاج إلى المستشفى نفسه، والطريق نفسه، وفرص الشغل نفسها، والاستثمار نفسه.فسطات لا تحتاج إلى ثمانية نواب يتحدث كل واحد منهم بلغة حزبه، بقدر ما تحتاج إلى ثمانية نواب يستطيعون، عندما يتعلق الأمر بمصلحة الإقليم، أن يتحدثوا بصوت واحد.
تحتاج إلى لوبي برلماني حقيقي لا إلى ثمانية جزر سياسية متباعدة: لوبي يعرف كيف يرافع عن إقليم سطات يؤاور ترافعات السلطة الإقليمية لجلب الاستثمارات، وكيف يطرق أبواب الحكومة، ويرافع عن الاستثمار، ويدفع بالمشاريع، ويتابع ملفات الصحة والتعليم والتشغيل والبنية التحتية، ويحوّل الوعود الانتخابية إلى أرقام وأوراش ونتائج.
أما إذا عاد كل واحد منهم إلى خندقه الحزبي، وبدأت المنافسة من جديد على الصور والبيانات والخرجات الإعلامية، فسيكون الناخب قد دفع ثمن الانتخابات مرتين: مرة حين ذهب إلى الصندوق، ومرة حين اكتشف أن شيئاً لم يتغير.
لقد قال الصندوق كلمته. والآن جاء دور المنتخبين ليجيبوا. هل فهموا الرسالة… أم أنهم سيحتاجون إلى انتخابات أخرى حتى يقرأوا ما كتبته لهم صناديق 23 شتنبر؟


