ادريس شحتان يكتب حول: المجلس الوطني للصحافة بين رهان الإصلاح واستعادة الثقة

ادريس شحتان يكتب حول: المجلس الوطني للصحافة بين رهان الإصلاح واستعادة الثقة

يشكل دخول القانون رقم 09.26 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة حيز التنفيذ محطة مفصلية في مسار تنظيم الحقل الإعلامي المغربي، بعد أن استوفى مساره الدستوري والتشريعي. فبعيداً عن الجدل الذي رافق مراحل إعداده، بات الرهان اليوم منصباً على حسن تنزيل مقتضياته بما يضمن بناء مؤسسة قوية، مستقلة وذات مصداقية، قادرة على الاضطلاع بأدوارها الدستورية في حماية حرية الصحافة، وترسيخ أخلاقيات المهنة، وصيانة حق المواطن في إعلام مهني ومسؤول.

لقد كشفت التجربة السابقة، بما لها وما عليها، عن الحاجة إلى مراجعة عدد من آليات اشتغال المجلس الوطني للصحافة، سواء على مستوى الحكامة أو الشفافية أو تمثيلية مختلف مكونات القطاع. ومن هنا، جاء القانون الجديد بمجموعة من المستجدات التي تسعى إلى تحقيق توازن بين الصحافيين والناشرين، واعتماد آليات تجمع بين الانتخاب والانتداب والتعيين، بما يعكس تنوع الفاعلين داخل المنظومة الإعلامية ويعزز مبدأ التنظيم الذاتي.

غير أن نجاح هذا الورش لن يقاس بالنصوص القانونية وحدها، بل بمدى قدرة المجلس المقبل على استعادة الثقة داخل الجسم الصحافي وخارجه. فالمرحلة تفرض القطع مع كل مظاهر الريع والضبابية، وإرساء قواعد شفافة في تدبير الدعم العمومي المخصص للمقاولات الصحافية، ونشر المعطيات المرتبطة بتوزيعه وفق معايير واضحة وقابلة للمساءلة، بما يكرس مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة ويعيد الاعتبار لمفهوم الدعم باعتباره أداة لتطوير المقاولة الإعلامية، لا وسيلة لتحقيق الامتيازات.

كما أن المرحلة المقبلة تتطلب قيادة تتجاوز الحسابات الفئوية، وتؤمن بالحوار بين مختلف مكونات القطاع، وتمتلك رؤية استراتيجية لمواجهة التحولات الرقمية، وتعزيز النموذج الاقتصادي للمقاولات الصحافية، والارتقاء بالتكوين، وحماية الحقوق الاجتماعية للصحافيين، مع الحفاظ في الوقت نفسه على استقلالية القرار المهني بعيداً عن أي تأثيرات سياسية أو اقتصادية.

إن المجلس الوطني للصحافة الذي ينتظره المهنيون ليس مجرد مؤسسة إدارية جديدة، بل هو رافعة لإعادة بناء الثقة في الإعلام الوطني، وترسيخ قيم النزاهة والاستقلالية والتعددية. ومع اقتراب تشكيله، تبدو الفرصة سانحة لإطلاق مرحلة جديدة تجعل من الصحافة شريكاً حقيقياً في تكريس دولة المؤسسات، والدفاع عن الحق في الخبر، وتعزيز صورة المغرب كبلد يؤمن بإعلام حر، مهني ومسؤول، قادر على مواكبة الاستحقاقات الوطنية والدولية التي تنتظر المملكة خلال السنوات المقبلة.