إمزورن.. لماذا تركنا الفأر يكبر حتى ظن نفسه نمراً؟

إمزورن.. لماذا تركنا الفأر يكبر حتى ظن نفسه نمراً؟

هناك حوادث تنتهي بانتهاء وقائعها، وهناك حوادث تفتح أبواباً من الأسئلة لا يجوز إغلاقها بالبيانات والبلاغات الرسمية ولا بتكريم الضحايا. وما جرى في إمزورن ينتمي، بكل أسف، إلى الصنف الثاني.

رجل أمن يسقط شهيداً وهو يؤدي واجبه، ومشتبه فيه يتحول توقيفه إلى مواجهة بالغة الخطورة، ومجتمع يتابع المشهد مثقلاً بالسؤال: كيف وصلنا إلى هذه النقطة؟  لنترك للحظة كل التفاصيل التكتيكية للعملية، ولنترك التحقيق يقول كلمته فيما جرى أثناء التدخل، ولنطرح السؤال الذي يسبق العملية نفسها: لماذا انتظرنا حتى تضخم الخطر؟ لماذا انتظرنا الخطر حتى وصل إلى 20 مذكرة بحث؟

فالمغرب ليس بلداً بلا أجهزة، ولا يفتقر إلى وسائل الرصد والتتبع والمعلومة. لدينا سلطات محلية يفترض أن تكون عين الدولة القريبة من الميدان بفضل أعوان السلطة والشيوخ…، ولدينا الأمن الوطني والدرك الملكي وأجهزة أخرى، لكل منها اختصاصاتها وقنواتها وآلياتها في جمع المعلومات وتبادلها وتحليلها. وبالتالي، فإن السؤال المشروع ليس: لماذا لم يستطع رجال الأمن توقيفه؟ بل السؤال الأعمق هو: لماذا وصل الأمر أصلاً إلى مرحلة نضج، أصبح فيها توقيفه بهذه الخطورة؟

حين يكون شخص ما موضوع مذكرات بحث متعددة، ويشتبه في ارتباطه بأفعال إجرامية خطيرة، فإن مرور الوقت لا ينبغي أن يكون حليفاً له. فالوقت، في مثل هذه الحالات، قد يتحول إلى سماد للجريمة. يكبر المطلوب، تتسع شبكة علاقاته، تتراكم خبرته في الإفلات، يتضخم شعوره بالقوة، ويتحول تدريجياً من شخص يسعى إلى الاختباء إلى شخص يعتقد أنه قادر على تحدي الجميع. وهنا تستحضر الذاكرة الشعبية، بسخريتها اللاذعة، تلك العبارة الشهيرة التي أطلقها عبد العزيز الستاتي: “الفار غلاض وكبر ولا يسحاب راسو نمر”.

المفارقة أن الأمر في الواقع الأمني ليس أغنية ولا نكتة. فحين يكبر “الفأر” أكثر مما ينبغي، قد يصبح توقيفه عملية مكلفة، وحين يعتقد أنه صار “نمراً”، قد يحمل السلاح في وجه من جاء لتوقيفه. وعندها لا تعود الأخطاء قابلة للتدارك بسهولة. يدفع رجال الأمن الثمن. وهنا تكمن مرارة فاجعة إمزورن، لأن رجل الأمن الذي فقد حياته لم يكن معنياً بمسار سابق للوقائع، ولم يكن مسؤولاً عن السنوات أو الأشهر أو الأيام التي سبقت لحظة المواجهة. لقد وجد نفسه، ببساطة، في الصف الأول عندما انفجر الخطر. ولهذا فإن تحميل عناصر التدخل وحدها مسؤولية ما حدث، إن صح مثل هذا الطرح، سيكون أسهل إجابة وأقلها عدلاً.

المطلوب هو النظر إلى السلسلة كاملة. من رصد الخطر؟ من جمع المعلومة؟ من حللها؟ من تابع المشتبه فيه؟ من قيّم درجة خطورته؟ من قرر توقيت التدخل؟ وهل كان بالإمكان توقيفه في مرحلة مبكرة، عندما كان أقل قدرة على المقاومة وأقل استعداداً للمواجهة؟

هذه ليست أسئلة للتشويش على العمل الأمني، بل هي في صميم حماية العمل الأمني نفسه. فالشرطة لا ينبغي أن تكون دائماً في وضعية إطفاء الحرائق، لأن الأمن الحقيقي هو أن تصل إلى الحريق قبل أن يتحول إلى حريق كبير.

وإذا كان المطلوب قد استطاع، وفق المعطيات المتداولة، أن يصبح أكثر خطورة إلى درجة استعمال السلاح في مواجهة القوات العمومية، فإن هذا وحده يكفي لطرح سؤال الوقاية: هل كان يمكن أن تكون النهاية مختلفة لو تم التدخل في البداية؟

لا أحد يملك، الآن، جواباً قاطعاً، ولكن التحقيق وحده قادر على تحديد ذلك.

لكن من حق الرأي العام أن يسأل، ومن حق أسر رجال الأمن أن تعرف، ومن واجب المؤسسات أن تستخلص الدروس. فترقية رجل الأمن الراحل وتكريمه واجب، والترحم عليه أقل ما يمكن فعله أمام تضحيته. حيث أن أفضل تكريم له ألا نكتفي بتكريم اسمه، بل أن نفهم كيف وصل الخطر إلى النقطة التي دفع فيها حياته ثمناً لعملية كان يفترض أن تكون عملية توقيف، لا معركة حياة أو موت.

إمزورن لا تحتاج فقط إلى التصفيق لشجاعة من واجهوا الخطر. إنها تحتاج أيضاً إلى تشريح هادئ ومسؤول لما سبق لحظة المواجهة.

فالدولة القوية ليست فقط التي تمتلك ترسانة من الأجهزة، وإنما التي تعرف كيف تجعل هذه الأجهزة تعمل في الوقت المناسب، بالمعلومة المناسبة، والتنسيق المناسب، قبل أن يتحول المطلوب إلى “نمر”.

لأن القاعدة بسيطة: حين يكون الفأر صغيراً، يكفي أن تمسك به. أما حين تتركه يكبر حتى يصدق أنه نمر، فقد تحتاج إلى معركة كاملة لإعادته إلى حجمه الحقيقي. وفي إمزورن، للأسف، كانت كلفة تلك المعركة باهظة جداً…

رحم الله رجل الأمن الذي سقط شهيداً، وحمى الله كل من يحمل شارة الأمن ويواجه الجريمة نيابة عن المجتمع. أما أسئلة ما قبل الرصاصة، فلابد أن تجد طريقها إلى التحقيق، لأن الدم الذي سال لا ينبغي أن يذهب معه السؤال.