العربي شريعي برلماني إقليم سطات يفجر أسئلة محرجة تحت قبة البرلمان: المغاربة لا ينتظرون مزيداً من الوعود، بل نتائج ملموسة
في مداخلة سياسية اتسمت بنبرة نقدية واضحة، وضع العربي شريعي، ممثل الأمة عن الدائرة الانتخابية سطات، البرنامج الحكومي أمام اختبار الواقعية والالتزام، مؤكداً أن نجاح السياسات العمومية لا يُقاس بعدد صفحات البرامج ولا بكثرة الوعود المعلنة، بل بمدى وضوح أهدافها، وواقعية تمويلها، وقدرتها على إحداث تغيير ملموس في حياة المواطنين. ومن تحت قبة البرلمان، اختار “شريعي” أن يضع يده على أحد أبرز الأسئلة التي تواجه أي برنامج حكومي طموح: من أين ستأتي الموارد المالية لتنزيل الالتزامات الاجتماعية والاقتصادية المعلنة؟ فبين تخفيض الضريبة على الدخل، ومضاعفة الدعم الاجتماعي المباشر، وإقرار حد أدنى للمعاشات في حدود ثلاثة آلاف درهم، وتخصيص 130 مليار درهم للمجالات الترابية، مقابل الالتزام بخفض العجز والمديونية، تبرز، بحسب المداخلة، ضرورة تقديم أجوبة دقيقة بشأن الكلفة الحقيقية لهذه التدابير ومصادر تمويلها، حتى لا تتحول الطموحات إلى التزامات يصعب الوفاء بها.
وفي ملف التشغيل، توقف ممثل دائرة سطات “العربي شريعي”، عند التعهد بإحداث 200 ألف منصب شغل سنوياً وخفض معدل البطالة إلى 7 في المائة، متسائلاً عن الضمانات العملية لتحقيق هذه الأهداف، وعن مصير فرص العمل المرتبطة بتنظيم كأس العالم 2030 بعد انتهاء التظاهرة، في تنبيه إلى أن التنمية الحقيقية لا تقتصر على خلق فرص ظرفية، بل تقتضي بناء اقتصاد قادر على توفير وظائف مستدامة ومنتجة. ولم تقف المداخلة عند حدود الأرقام والمؤشرات، بل امتدت إلى سؤال الأولويات التنموية، حيث دعا “شريعي”، باسم حزب الإنصاف، إلى إعطاء العالم القروي والمناطق المهمشة مكانة متقدمة في السياسات العمومية، بدل الانشغال بالمشاريع المكلفة التي قد لا تنعكس ثمارها بالقدر الكافي على الحياة اليومية للمواطنين، مشدداً على ضرورة جعل تمكين النساء والشباب مدخلاً أساسياً لتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية.
وفي سياق متصل، أعاد المتحدث “العربي شريعي” ملف مغاربة العالم إلى واجهة النقاش، رافضاً اختزال علاقتهم بوطنهم في التحويلات المالية، ومؤكداً أن مشاركتهم السياسية حق دستوري يكفله الفصل 17 من الدستور، وأن تمثيليتهم الفعلية داخل المؤسسات ليست امتيازاً تمنحه الحكومات، بل استحقاق يقتضي تفعيل الضمانات الكفيلة بممارسته.
أما في مجال تخليق الحياة العامة، فقد شدد “شريعي” على أن مكافحة الفساد وتضارب المصالح لا ينبغي أن تظل حبيسة الشعارات والتعهدات العامة، بل يجب أن تُترجم إلى آليات دقيقة ونصوص واضحة تحدد الأفعال المجرّمة وشروط المتابعة والجزاءات المترتبة عنها، مستحضراً الفصل 36 من الدستور والمقتضيات المرتبطة بالصفقات العمومية، ومؤكداً أن الديمقراطية لا تستقيم دون نزاهة الانتخابات وربط المسؤولية بالمحاسبة. كما أثار المتحدث غياب المعالجة الكافية للإكراهات العملية المرتبطة بالتدبير المفوض والشراكة بين القطاعين العام والخاص، معتبراً أن النقاش حول هذين المجالين، وما أثير بشأن تدبير بعض المرافق والمشاريع الكبرى، يستدعي الانتقال من الالتزامات العامة إلى إصلاحات عملية تعزز الشفافية والنجاعة وتحمي المصلحة العامة.
وفيما يتعلق بالاستعدادات المرتبطة بكأس العالم 2030، نبّه “العربي شريعي” إلى أن الحديث عن إدماج الشباب في الصفقات الكبرى يظل غير كافٍ ما لم يُترجم إلى آليات عملية تتيح للمقاولات الوطنية، وخاصة القادرة منها على توفير الكفاءة والموارد والتأطير، فرصاً حقيقية للمشاركة في الأوراش الاقتصادية الكبرى، لاسيما أن عدداً من مشاريع البنية التحتية يوجد، وفق ما ورد في المداخلة، في مراحل متقدمة من الإنجاز.
ومن بين أكثر الملفات الاجتماعية حساسية التي سلط عليها الضوء، قضية الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية أو عقلية، والذين يعيش بعضهم في الشوارع في ظروف صعبة، بعيداً عن الرعاية الصحية المنتظمة والمأوى الملائم والمواكبة الاجتماعية المستمرة. وفي هذا الصدد، دعا إلى التعامل مع هذه الفئة باعتبارها جزءاً من المجتمع يتمتع بكامل الكرامة والحقوق، لا باعتبارها موضوعاً للإقصاء أو الوصم، مطالباً بتطوير منظومة متكاملة للصحة النفسية وإعادة التأهيل والمتابعة الاجتماعية، وتعزيز الطاقة الاستيعابية للمؤسسات المتخصصة في الطب النفسي والرعاية الاجتماعية.
ولم يغفل ممثل دائرة سطات القطاع الفلاحي، الذي اعتبره مدخلاً أساسياً لتعزيز التوازن الاجتماعي والاقتصادي، داعياً إلى دعم الفلاحين الصغار والكسابة والعمل على بناء طبقة متوسطة فلاحية قادرة على الصمود أمام التقلبات الاقتصادية والمناخية، والمساهمة في استقرار العالم القروي وتحسين ظروف العيش فيه.
وفي خلاصة موقفه السياسي، رسم “العربي شريعي” حدوداً واضحة لتقييم البرنامج الحكومي، مؤكداً أن الاعتراض لا يستهدف الطموح في حد ذاته، ولا يرفض المشاريع الكبرى، وإنما ينصب على الوعود التي تفتقر إلى ضمانات التنفيذ، وعلى التنمية التي لا يشعر المواطن بنتائجها في واقعه اليومي. فالثقة، كما عكست المداخلة، ليست تفويضاً مفتوحاً، بل مسؤولية مرتبطة ببرنامج واضح التمويل، قابل للتنفيذ والتقييم والمحاسبة، يجعل العدالة الاجتماعية والمجالية في صلب أولوياته.
وهي رسالة تختزل جوهر النقاش حول السياسات العمومية في سؤال بسيط وعميق في الآن ذاته: ما الذي سيتغير فعلياً في حياة المغاربة؟ فالمواطن، في نهاية المطاف، لا يحتاج إلى وعود إضافية بقدر حاجته إلى فرص شغل مستقرة، وخدمات عمومية ذات جودة، وتنمية منصفة، وكرامة مصونة، ونتائج يمكن قياسها ومحاسبة المسؤولين عنها.


