عمال النظافة يكنسون أزبالنا.. وهواة الفايسبوك يكنسون مجهوداتهم بصيد الأزبال في الظلام!

عمال النظافة يكنسون أزبالنا..  وهواة الفايسبوك يكنسون مجهوداتهم بصيد الأزبال في الظلام!

بعيداً عن المزايدات الفيسبوكية التي جعلت من صور الأزبال مادة دسمة لتبادل الاتهامات وتوزيع صكوك الفشل، يبدو أن بعض هواة الاصطياد في الحاويات يعتقدون أن النظافة تُقاس بلقطة عابرة تُلتقط في جنح الظلام، لا بمجهود يومي شاق يبدأ والناس نيام ويستمر قبل أن تفتح المدينة عيونها. إذ ليس أصعب على مدينة من أن تجد نفسها موضوعاً للمزايدات، وليس أكثر إجحافاً من أن يُختزل مجهود يومي شاق في صورة عابرة تُلتقط في غسق الليل، ثم تُنشر على منصات التواصل الاجتماعي مصحوبة بأحكام جاهزة عن انعدام النظافة وفشل التدبير. ففي زمن أصبحت فيه الكاميرا أسرع من التثبت، والتعليق أسبق من التحليل، يبدو أن بعض رواد الفضاء الأزرق نصبوا أنفسهم مفتشين للنظافة، وقضاة في تدبير الشأن المحلي، لا يحتاجون سوى إلى حاوية ممتلئة وصورة قاتمة لإصدار حكم نهائي!

وللأمانة، ولأن الإنصاف يقتضي قول الحقيقة كاملة، لا نصفها الذي يخدم المزايدات، فقد قادتني ظروف اضطرارية إلى إحدى المصحات بعد منتصف الليل، لأفاجأ بفرق ليلية للنظافة وهي تفرغ الحاويات من النفايات، فيما ينطلق فريق آخر مع بزوغ أولى أشعة الصباح لكنس الشوارع وتنظيفها، في مشهد لا يحتاج إلى بلاغات رسمية بقدر ما يحتاج إلى شيء من الإنصاف. مشهد يستحق التقدير، لا التبخيس، ويستوجب شيئاً من الموضوعية قبل تحويل صور ملتقطة قديمة او جديدة متداولة في ساعات متأخرة إلى صك اتهام جماعي. فهل يُعقل أن نختزل هذا العمل المضني في صورة ملتقطة عند غسق الليل، ثم نرفعها دليلاً قاطعاً على انعدام النظافة؟ أم أن المطلوب من عمال النظافة أن يشتغلوا وفق توقيت المصورين، وأن يسبقوا كل هاتف بكاميرته إلى كل حاوية؟ ثم ماذا عن بعض المطاعم والمقاهي التي تختار الساعات المتأخرة من الليل للتخلص من نفاياتها، وكأنها تنتظر مغادرة فرق النظافة لتعلن بداية حصتها الليلية في إنتاج الأزبال؟ هل نطالب، والحالة هذه، بتخصيص فريق نظافة قار لكل مقهى ومطعم، مع حارس يراقب توقيت إخراج الأكياس، أم نكتفي بتعيين مصور لكل حاوية حتى نوثق رحلة النفايات من الرصيف إلى الشاحنة؟ النقد حق، وكشف الاختلالات واجب، لكن تحويل مجهودات العمال إلى مادة للتبخيس ليس نقداً، بل ظلم يرتدي قناع الغيرة على المدينة. فقبل نشر الصورة وإطلاق الأحكام، قليل من الدقة في تحديد تاريخها وساعتها وسياقها قد يكون أنفع من ألف تعليق غاضب؛ لأن المدينة النظيفة لا يصنعها عمال النظافة وحدهم، بل أيضاً مواطنون وتجار ومقاهٍ ومطاعم يحترمون قواعد التخلص من النفايات، بدل أن يتركوا للآخرين مهمة تنظيف ما يخلّفونه، ثم يتصدروا منصات التواصل لتوزيع دروس النظافة!

فهل يُعقل أن نطالب عمال النظافة بمحو آثار مدينة كاملة في لحظة واحدة، وأن نحاسبهم على صورة التُقطت قبل مرور فرقهم أو بعد مغادرتها؟ وهل أصبحت جودة خدمات النظافة تُقاس بتوقيت التقاط الصور، بدل تقييم انتظام العمل ونجاعة التدخلات ومدى احترام الجميع للقواعد المنظمة للتخلص من النفايات؟

الأكثر إثارة للاستغراب أن بعض المطاعم والمقاهي قد تتخلص من نفاياتها في ساعات متأخرة من الليل، لتجد الحاويات نفسها أمام كميات جديدة من المخلفات بعد مرور فرق الجمع. وهنا يفرض المنطق سؤالاً لا يخلو من سخرية مُرّة: هل ينبغي تخصيص فريق نظافة قار لكل مقهى ومطعم، يظل مرابطاً أمام الباب، مترقباً لحظة خروج أكياس النفايات، حتى لا يجد هواة التصوير مادة جديدة لمنشوراتهم الصباحية؟ أم أن الحل الأسهل هو تحميل عمال النظافة وحدهم مسؤولية سلوكيات لا يتحكمون فيها، ثم مطالبتهم بتقديم الحساب أمام محكمة التعليقات الفيسبوكية؟

إن الدفاع عن نظافة المدينة لا يكون بإنكار الاختلالات، ولا بتلميع الواقع، كما لا يكون بتضخيم كل مشهد عابر وتحويله إلى دليل على فشل شامل. فالنقد البناء ضرورة، والتبليغ عن النقاط السوداء سلوك مواطن مسؤول عبر رقم اخضر وتطبيق ذكي على الهواتف وضعا رهن الإشارة لهذا الغرض، لكن الأمانة الصحفية والأخلاقية تقتضيان تحديد تاريخ الصورة وساعة التقاطها وسياقها، قبل إصدار الأحكام وتوجيه الاتهامات. أما نشر صور الأزبال دون أي معطيات زمنية أو سياقية، فهو أقرب إلى صناعة الانطباع منه إلى ممارسة النقد المسؤول.

والأجدر، في هذا السياق، ألا ننسى أن وراء نظافة الشوارع عمالاً يشتغلون في ظروف ليست دائماً سهلة، ويؤدون مهامهم بينما ينعم كثيرون بالنوم والراحة. هؤلاء لا يحتاجون إلى المبالغة في مدحهم، بقدر ما يستحقون ألا يُمحى مجهودهم بصورة انتقائية، وألا يتحول عملهم اليومي إلى مادة للتشهير المجاني. وفي المقابل، فإن المطاعم والمقاهي والمحلات التجارية والمواطنين جميعاً مطالبون بتحمل نصيبهم من المسؤولية، لأن نظافة المجال العام ليست خدمة أحادية الاتجاه، ولا مهمة يمكن إلقاؤها بالكامل على عاتق عمال النظافة.

إن المدينة النظيفة لا تُبنى بالشعارات ولا بمنشورات الغضب، وإنما بتدبير محكم، ومراقبة مستمرة، وتفاعل مسؤول بين الجهات المعنية والساكنة والمهنيين. ومن حق المواطن أن ينتقد، بل من واجبه أن يلفت الانتباه إلى الاختلالات، لكن من حق الحقيقة أيضاً ألا تُختزل في صورة مبتورة، ومن حق العامل البسيط ألا يصبح كبش فداء لكل كيس نفايات يظهر في غير موعده.

فإذا كانت الغيرة على المدينة تبدأ بالتقاط صورة لحاوية ممتلئة، فإن المواطنة الحقة تبدأ بالسؤال عن توقيتها، وأسباب امتلائها، ومسؤولية من وضع النفايات فيها، قبل توزيع الاتهامات لخلفيات اندفاعية متهورة تارة ولأسباب سياسية انتخابية انتقامية من أشخاص بعينهم تارة أخرى. أما أن نطالب عمال النظافة بأن يكونوا أسرع من مخلفاتنا، وأن نكون نحن أسرع منهم إلى نشر صورها، فتلك مفارقة لا تحتاج إلى مزيد من الأكياس السوداء، بل إلى قليل من الإنصاف وكثير من المسؤولية في مدينة تزايد عدد سكانها والوافدون عليها من طلبة ومقيمين، وارتفعت كمية مخلفاتتهم وتوسع عمرانها، في وقت بقي نفس اعمال النظافة مرابطين في مواقع عملهم، يواصلون أداء مهامهم في جمع النفايات وتنظيف الشوارع…!!