تحت قبة البرلمان… بدلات أنيقة وعقلية “معاطية الحمّامات”!
من المفارقات أن تُرفع شعارات تخليق الحياة السياسية من منبرٍ يفترض أن يكون مدرسةً للرقي في الخطاب، فإذا ببعض مشاهده توحي بأن السياسة عندنا لم تغادر بعدُ مرحلة تبادل الاتهامات، وأن بعض ممثلي الأمة يخلطون، أحياناً، بين قوة الحجة وعلوّ الصوت، وبين النقد السياسي وتصفية الحسابات.
تابعتُ، على غرار كثير من المغاربة، أشغال الجلسات الأولى للبرلمان المغربي، فخرجتُ بانطباع لا يخلو من المرارة، ممزوجاً بشيء من السخرية التي يفرضها واقعٌ يصبح فيه المشهد السياسي، أحياناً، أقرب إلى مسرحٍ مفتوح للمزايدات منه إلى مؤسسة دستورية يُفترض أن تنشغل بهموم الوطن وانتظارات المواطنين.
فبدل أن تكون الجلسات مناسبةً لتقديم تصورات واضحة، ومناقشة السياسات العمومية، ومساءلة الحكومة بلغة الحجة والبرهان، بدا في بعض اللحظات أن صناديق الاقتراع لم تُغلق تماماً، وأن أصداء الحملات الانتخابية ما تزال تتردد تحت القبة. وكأن بعض المنتخبين لم يستوعبوا بعد أن الانتخابات انتهت، وأن زمن مخاطبة الناخبين بالشعارات قد أفسح المجال لزمن مخاطبة الأمة بالمسؤولية.
أما السجالات بين الأغلبية والمعارضة، فقد انزلقت في بعض مشاهدها من الاختلاف السياسي المشروع إلى ما يشبه “المعاطية” التي يعرفها المغاربة جيداً، أو ما يُتداول شعبياً باسم “معاطية الحمامات”، حيث تتعالى الأصوات، وتتطاير الاتهامات، وتضيع الفكرة الأصلية وسط ضجيج الانتصار اللفظي. والفرق، طبعاً، أن الحمّام فضاءٌ خاص لا ينتظر منه أحد صياغة مستقبل البلاد، بينما البرلمان مؤسسة عمومية تُنقل أشغالها صحفيا وإعلاميا إلى المواطنين، وتُتابَع خارج الحدود أيضاً.
ولعل أكثر ما يثير الاستغراب هو أن يتحول النقاش، في بعض لحظاته، إلى ترديد مفردات من قبيل “الحشيش” و”زوارق الحشيش” و “الصيكان”، في سياقات يغلب عليها تبادل الاتهامات والتجاذب السياسي وكأن الأمر يتعلق ببرنامج “مداولة”. ولسنا هنا بصدد مناقشة مشروعية إثارة ملفات بعينها، أو منع النواب من مساءلة بعضهم بعضاً، بل بصدد السؤال عن الطريقة التي تُطرح بها القضايا، وعن الحدود الفاصلة بين المساءلة واستعراض لفظي لا يضيف إلى الحقيقة شيئاً. فليس كل ما يُقال تحت القبة نقاشاً برلمانياً، كما أن رفع الصوت لا يحوّل الاتهام إلى دليل، ولا يمنح العبارة الجارحة صفة الرقابة السياسية.
والأدهى أن هذا المشهد لا يُعرض في جلسة خاصة بين أطراف سياسية تتبادل العتاب خلف الأبواب المغلقة، بل في مؤسسة دستورية تُبث أشغالها على الملأ، وتصبح مداخلاتها جزءاً من الصورة التي يقدمها المغرب عن مؤسساته. ومن حق المواطن أن يتساءل: أي رسالة نبعث بها إلى الأجيال الصاعدة حين يشاهدون ممثليهم يتنازعون على الكلمات أكثر مما يتنافسون في تقديم الحلول؟ وأي صورة نرسمها عن العمل السياسي حين يبدو أن بعض ممثليه يتقنون فن الخصومة أكثر مما يتقنون فن التشريع؟
إن البرلمان ليس نادياً للملاسنات، ولا حلبةً لتصفية الحسابات المؤجلة، ولا منصةً لإعادة تمثيل الحملات الانتخابية بأزياء رسمية وربطات عنق أنيقة. إنه فضاء للمساءلة والتشريع والرقابة، ومختبر للأفكار التي يفترض أن تنعكس على حياة المواطنين. وإذا كانت المعارضة مطالبة بممارسة رقابتها بصرامة، فإن الأغلبية مطالبة بدورها بتقديم الأجوبة المقنعة، لا الاكتفاء بردود الفعل. فلكل موقع مسؤولياته، ولا يُعفي اختلاف المواقع أحداً من واجب احترام المؤسسة التي يتحدث من داخلها.
ومع ذلك، سيكون من الظلم اختزال الأداء البرلماني في لحظات التشنج وحدها. فقد برزت مداخلات لعدد من النواب اتسمت بالرصانة وعمق الطرح، ولامست جوهر القضايا المطروحة، مقدمةً نموذجاً لما ينبغي أن يكون عليه النقاش العمومي: أفكار واضحة، وحجج مؤسسة، وأسئلة دقيقة، واستحضار لمصالح البلاد والعباد. وكانت تلك المداخلات دليلاً على أن السياسة لا تفقد قيمتها حين تختلف الآراء، بل حين يفقد الاختلاف معناه، ويتحول من وسيلة لتجويد القرار إلى غاية في حد ذاته.
إن تخليق الحياة السياسية لا يبدأ من الخطب المنمقة ولا من ترديد الشعارات في المناسبات، بل من تفاصيل الممارسة اليومية، ومن قدرة المنتخب على ضبط لغته، واحترام خصمه، وتقديم الدليل بدل التشهير، والحجة بدل التهكم المجاني. فالرقي في الخطاب ليس ترفاً أخلاقياً، بل شرط من شروط الثقة في المؤسسات، كما أن حرية التعبير داخل البرلمان لا تعني إعفاء أصحابها من المسؤولية السياسية والأخلاقية عن مضمونها.
ولعل الرسالة الأبلغ التي ينبغي أن تخرج بها هذه الجلسات هي أن المغاربة لا يحتاجون إلى نواب يتبارون في إنتاج الضجيج، بل إلى ممثلين يتنافسون في إنتاج الأفكار والحلول. فلا أحد ينتظر من البرلمان أن يتحول إلى ندوة أكاديمية جافة، ولا أن يخلو من الحدة والمواجهة، لكن ثمة مسافة شاسعة بين نقاش ساخن يكشف الاختلالات، وسجال عقيم لا يكشف سوى فقر بعض أدوات الحوار.
فإذا كان البرلمان مرآةً للحياة السياسية، فإن المطلوب ليس تلميع المرآة، بل الارتقاء بما تعكسه. لأن هيبة المؤسسات لا تصنعها القبة ولا المقاعد ولا الميكروفونات، بل يصنعها من يجلسون تحتها، بقدر ما يحملون من مسؤولية، وما يقدمون من حجة، وما يتركون في نفوس المواطنين من اقتناع بأن السياسة ما تزال فناً لخدمة الصالح العام، لا موسماً مفتوحاً لتبادل الضربات الكلامية.
أما “المعاطية”، فمكانها الطبيعي خارج قبة البرلمان؛ وأما داخلها، فالمفترض أن تكون الكلمة أرفع من الشتيمة، والحجة أقوى من الاتهام، والمصلحة العامة أسمى من الحسابات الضيقة. وإلا فإننا سنجد أنفسنا أمام مفارقة تستحق أن تُسجَّل في دفاتر السياسة الساخرة: مؤسسةٌ خُصصت لصناعة القوانين، فإذا ببعض جلساتها تنشغل بصناعة الضجيج، في انتظار أن يتذكر الجميع أن الوطن ليس جمهوراً في مدرجات الخصومة، بل صاحب المصلحة الذي ينتظر منهم عملاً يليق بثقته.


