عندما يصبح البحر أرحم من اليابسة!!

عندما يصبح البحر أرحم من اليابسة!!

يبدو أن المغرب نجح في ابتكار مشروعٍ لم يرد في أي برنامج حكومي، ولم يُناقش تحت قبة البرلمان، ولم تُخصص له ميزانية في قانون المالية، لكنه يحصد كل سنة آلاف “المنخرطين”. اسمه ببساطة: الهجرة… بأي ثمن.

لم يعد الشباب يسألون عن مباريات التوظيف، بل عن اتجاه الريح والتيارات البحرية. ولم تعد أحاديث المقاهي تدور حول فرص الاستثمار، بل حول أنسب ساعة لاقتحام السياج، وأقل الأمواج غدرًا، وأكثر المسالك حظًا. وكأن الوطن تحول إلى قاعة انتظار كبيرة، والضفة الأخرى إلى نافذة الخلاص الوحيدة.

المشهد الأخير عند أسوار سبتة ومليلية الذي بات “ترند” عالمي، لم يكن مجرد محاولة عبور جماعية، بل كان استفتاءً صامتًا على منسوب اليأس. شباب يركضون نحو المجهول، وآباء يحملون أطفالًا رضعًا بين الأذرع، وأمهات يغامرن بأغلى ما يملكن، وكأن الجميع يردد الرسالة نفسها: إذا كانت الحياة هنا مستحيلة، فإن المجهول يبدو أكثر رحمة.

سادتي الكرام؛

في بلادٍ صار فيها الحلم يحتاج إلى قارب، وأحيانًا إلى سباحة، لم يعد الشباب يبحثون عن فرصة عمل بقدر ما يبحثون عن فرصة نجاة. لم تعد حقائب السفر تُحزم استعدادًا لعطلة، بل تُحزم الأرواح استعدادًا لمواجهة البحر والأسلاك الشائكة والمجهول. أما المسؤولون، فلا يزالون يتقنون رياضة إصدار البلاغات والتعليق على الاحداث، أكثر من إتقانهم صناعة الأمل.

المشهد هذه الأيام لا يحتاج إلى عدسة صحفي بقدر ما يحتاج إلى ضمير حي. أطفال رضع يُحملون نحو المجهول، عائلات كاملة تراهن بكل ما تملك على عبور قد ينتهي بصورة تذكارية… أو بصورة مأساوية. وشباب، ما إن تطأ أقدامهم الضفة الأخرى، حتى يرفع بعضهم علامة النصر، وكأنهم خرجوا منتصرين من معركة تاريخية، بينما الحقيقة أنهم انتصروا فقط على اليأس الذي هزمهم في وطنهم.

المفارقة الساخرة أن بعض الخطابات الرسمية ما تزال تتحدث عن “جاذبية الوطن”، فيما الواقع يكشف أن أكثر ما يجذب الشباب اليوم هو الأفق الذي يبدأ من الجهة الأخرى للسياج. فحين يصبح تسلق الأسلاك الشائكة أقل إيلامًا من تسلق سلالم البطالة، وحين تبدو أمواج البحر أرحم من أمواج الانتظار، فلا غرابة أن تتحول الحدود إلى طوابير من الأحلام المكسورة.

سادتي الكرام؛

المؤلم أكثر أن كل موجة هجرة تُستقبل بوابل من التفسيرات الجاهزة: مرة تُعلَّق على شماعة مواقع التواصل الاجتماعي، ومرة على “المغامرة”، ومرة على “الانسياق الجماعي”. أما السؤال الحقيقي، فيظل يتيمًا: لماذا أصبح الموت احتمالًا مقبولًا عند آلاف الشباب، بينما لم يعد البقاء في الوطن خيارًا مغريًا؟

إن رفع شارة النصر بعد الوصول إلى الضفة الأخرى ليس احتفالًا بالهجرة، بل إعلانًا صامتًا عن الهزيمة في الداخل. إنها رسالة تقول إن الشاب لم يغادر لأنه كره وطنه، بل لأنه فقد ثقته في أن يجد فيه مكانًا يليق بكرامته ومستقبله. أما الأطفال الذين يُحملون بين الأذرع وسط الفوضى، فهم الشاهد الأقسى على أن الأزمة لم تعد أزمة أفراد، بل أزمة أجيال بأكملها.

الوطن لا يُقاس بعدد البلاغات ولا بحجم الشعارات، بل بعدد الذين يختارون البقاء فيه وهم قادرون على الرحيل. وعندما تصبح الهجرة الجماعية خبرًا متكررًا، فإن أخطر ما يمكن أن نفعله هو التعامل معها كأنها مجرد رقم جديد في نشرة الأخبار. فالأوطان لا تنزف حين يغادرها شبابها فقط، بل حين تعتاد رؤية نزيفهم دون أن ترتجف.