تحقيق: حي العكاري بالعاصمة..في الحاجة إلى تنمية البشر والحجر

تحقيق: حي العكاري بالعاصمة..في الحاجة إلى تنمية البشر والحجر

يعتبر حي يعقوب المنصور من الأحياء العريقة والمعروفة على نطاق واسع في المغرب، الحي الذي يحمل اسم أحد السلاطين المعروفين في الدولة الموحدية "يعقوب المنصور"، يعد الآن الأكبر ديموغرافيا في العاصمة الرباط بحوالي 300 ألف نسمة في رقعة جغرافية لا تتجاوز 24 كيلومتر مربع، الحي كذلك ألحق سابقا بمدينة الرباط كمقاطعة بعدما كان جماعة حضرية قائمة بذاتها، ورث إرثا ثقيلا من مظاهر الفقر والتهميش وقلة الفضاءات الخضراء والثقافية..

ويعاني ثاني أكبر حي في المغرب بعد عين السبع في الدار البيضاء إلى جانب حي العكاري، لوحدهما من عدة إكراهات ومشاكل تختلف وتتعدد بحسب عدة عوامل، تحالفت فيها الطبيعية بالبشرية ويحتاجان إلى تدخلات عاجلة لإجراء عمليات استئصالية لعدة أورام، تنتشر فيهما كالسرطان في كل الأزقة والدروب، رغم الشروع منذ أكثر من العقد من الزمان في عمليات التخلص من الأحياء الصفيحية، وما ينتج عنها من مشاكل من أجل توفير ظروف العيش الكريم بتشييد عمارات سكنية ومحلات تجارية بموصفات معقولة تؤويان الساكنة والتجار معا وتقوية البنية التحتية المتهالكة.

دور الصفيح، السرقة، التهميش..حي "عين عتيق"

 قمنا بزيارة ميدانية لبعض من أحياء العكاري والوقوف على بعض مما يعانيه، واكتشاف ما يحويه هذا الحي من أماكن لا تظهر للعيان من أول زيارة، حيث يعيش ساكنة الحي المعروف باسم دوار "عين عتيق" بالعكاري، كنموذج في وضعية صعبة تفتقر لظروف العيش الكريم، حيث يتوارى الحي خلف بنايات سكنية في صمت شديد على بعد أمتار وأزقة ضيقة عن الشارع الرئيسي للعكاري سيدي محمد بن عبد الله، من الجهة المقابلة لسينما الريف الموصدة أبوابها، منذ سنوات ليست بقصيرة وبشارع واحد من الجهة الأخرى عن مقاطعة يعقوب المنصور المنتصبة بهندسة معمارية حديثة.

بمجرد أن تلج للحي السالف الذكر حتى تقف على حجم المعاناة التي يعيشها الساكنة؛ وهي تكاد تكون سلسلة من المشاكل التي تدفعنا للحديث عن تراكمات من الاختلالات، التي تعيشها الأحياء الصفيحية في المدن المغربية عامة، والتي لن نتحدث اليوم عن ظروف وأسباب نشأتها، حتى اشتد عودها نتيجة تناسل "البراريك" في الماضي، وغدت الآن أمرا يؤرق الدولة وبالأحرى المقاطعة التابع لها، في هذا الصدد التقينا بإبراهيم موظف إداري وأحد ساكنة حي العكاري، قال بالحرف الواحد "حي العكاري عامة من أكثر الأحياء معاناة من عدة مشاكل اجتماعية واقتصادية، من تجلياتها انتشار الجريمة بشتى أنواعها، حيث أصبحت بعض مناطق الحي (في إشارة إلى "عين عتيق") نقاط سوداء يخشى المرء من التجول فيها بكل حرية" وأضاف أن "الصورة العامة التي يمكن تصورها عن أحياء ودروب العكاري؛ هي قلة النظافة وضعف البنية التحتية وانتشار السرقة..".

وفي نقاش أجريناه مع مجموعة من شباب ورجال الحي حول مشكل التجمعات السكنية العشوائية، التي تظل مشكلا يؤرق الجماعات الترابية للمغرب ويستنزف ميزانية ضخمة، نتيجة غياب سياسات عمومية مندمجة فيما مضى من عقود، خاصة في ما يخص السكن باعتباره أحد العناصر المهمة في أي تنمية إلى جانب التعليم والصحة طبعا، أثارنا تدخل أحد الشباب وهو موجز وفاعل جمعوي؛ يقول "نحن في المغرب كبلد يخطو بخطوات ثابتة في حاجة لاتخاذ إجراءات تنموية أكثر تضامنا بين أحياء المدينة، وعدم التركيز على بعضها وحسب"، ليضيف "أن ما تتخبط فيه بعض الأحياء العشوائية كدوار الكرعة والعنبرة وبوهالة وعين عتيق..ـ من ضعف البنية التحية كانت تجلياته الفاضحة والواضحة سيول اجتاحت أحياء العكاري السنة الجارية وحفر وتشوهات تتخلل الشارع الرئيسي، زيادة على انتشار الباعة المتجولين الذين هم في صراع دائم مع السلطات المحلية، كان أخرها الحملة التي قادتها الجهات المعنية لاستئصال سوق العكاري وهدم بعض المنازل والإضافات، لكن من دون بدائل واقعيةـ..كانت نتيجة غياب سياسات عمومية تنمي البشر والحجر لعقود خلت قبل بداية الألفية الحالية".

تجمعات سكنية تفتقر لأبسط الشروط..

تعتبر مجموعة من الأحياء المتواجدة في وسط جماعة يعقوب المنصور، مجرد تجمعات سكنية عشوائية تفتقر للشروط الأساسية وللفضاءات الثقافية والرياضية، كما تحتاج للكثير من النظافة والاخضرار اللذان تفتقدهما الحدائق (إن وجدت)، وللإنارة التي تحتاج إلى تسليط الأضواء الكاشفة عليها لإعادة النور للكثير من الأعمدة الكهربائية، وبنية تحتية جيدة كي لا يجازف المعروف ب "علال القدوس" بحياته مجددا من أجل تخليص الحي من سيول الأمطار..كانت هذه أغلب آراء ساكنة الحي إن دلت على شيء إنما تدل على الوضعية الصعبة، التي يعيشها سكان الحي المتواجد جغرافيا في العاصمة الرباط والبعيد عن أهم إداراتها، التي تحتاج إلى عصا موسى لحل كل هذه المشاكل كما قال سابقا إبراهيم الموظف الإداري.

ويبقى أحد أكثر الأحياء الصفيحية شهرة هو "دوار الكرة"، الذي يحتل مساحة تفوق 10 هكتارات، ويعود تأسيسه لثلاثينيات القرن الماضي على غرار أحياء أخرى ك "الكرعة"، "الرجاء فالله"..، إذ يصل صيته إلى مختلف أرجاء المغرب المتواجد بين الطريق الساحلي وشارع سيدي محمد بن عبد الله، بالقرب من مستشفى النهار، الذي ينتشر على طول شارعه الرئيسي باعة يفترشون جنبات وأجزاء من الطريق ويمارسون مختلف أنواع التجارة.. بمحاذاة ما تبقى من الدور الصفيحية من "دوار الكرة"، الأشغال جارية على قدم وساق لاستكمال العمارات، التي ستحل محل "البراريك" التي انطلقت(الأشغال) في سنة 2002 بعد التوقيع على اتفاقية إطار، أمام صاحب الجلالة الملك محمد السادس تم فيها الاتفاق على تشييد أكثر من 2200 شقة سكنية وقرابة 700 محل تجاري لإيواء الأهالي والتجار، ضمن برنامج "مدن بدون صفيح"، ربيعة أم لطفلين أبدت تفاؤلا كبيرا من أجل إنهاء معاناتهم اليومية مع دور الصفيح، وقالت "ما نعانيه لا يمكن أن نعبر عليه بكلمات، الوسط يفتقر للشروط الأساسية للعيش الكريم؛ خاصة بالنسبة للأطفال في هذا الوسط الذي يعج بالسرقة والمخدرات.."

كما أنه لا ينكر إلا جاحد المجهودات المبذولة من طرف الدولة في اجتثاث دور الصفيح، بل وخلق مجموعة جديدة من المدن الجديدة لتخفيف الضغط على مجموعة من الحواضر المغربية؛ من قبيل مدن تامسنا وسلا الجديدة.. التي استجابت لمتطلبات فئات اجتماعية معينة لكن الطبقات الاجتماعية التي تتجاوز عتبة الفقر بقليل والطبقات الاجتماعية المتوسطة التي تعيش صعوبات اجتماعية بقت بعيدة عن تطلعاتها لكونها في حاجة إلى الأخذ بيدها وأن تقدم لها مساعدات بطريقة أو بأخرى…

الإشكال ليس في الإصلاح بل يجب مواكبة الإصلاح من أجل الحفاظ على استمراريته

انتقالنا إلى أحياء يعقوب المنصور عبر الشوارع الرئيسية للحي، أظهر لنا أن بعض الشوارع تعاني من بعض الحفر التي تطرقنا لها فيما سبق، حيث مازالت تلك الحفر خصوصا الناجمة عن البالوعات المتواجدة في وسط الطريق، تشكل خطرا كبيرا على السير، بل يكون لها تأثير على الحالة الميكانيكية للسيارات والدراجات، ويمكن الحديث هنا عن الحفرة النموذجية، التي عمرت كثيرا بشارع محمد بن عبد الله بالقرب من مستشفى مولاي يوسف والعديد من التشوهات التي تجتاح الطرق، رغم أن بعض الطرق الفرعية تحظى مؤخرا ببعض الإصلاحات من خلال تزفيتها وإعادة إكساها كشارع الحاج حسن بالعكاري من القرب من مستشفى "مولاي يوسف" المتهالكة أسواره.

كما يمكن الحديث هنا عن انعدام شيء اسمه الرصيف، الذي تستعمره المقاهي والمحلات التجارية، بالإضافة إلى كون ثقافة الرصيف غير متواجد لدى سكان الحي بسبب عدم وجوده أصلا، ما يدفعهم للارتماء إلى الممر الخاص بالترامواي، الذي نجم عنه العديد من الحوادث كان أخرها امرأة حامل نجت بفضل يقظة سائق الترام..حول موضوع الطريق صرح لنا شاب في عقده الثالث قائلا "شخصيا أفضل المشي على ممر الترام مع الانتباه لمجيء الترام، لأن الرصيف غير صالح للمشي في معظمه، ومستعمر من طرف المحلات والمقاهي.."

ومن جانبه أكد عبد العالي الرامي رئيس الرابطة الوطنية للتنمية الاجتماعية والاقتصادية في تصريح استقيناه، أن الاختلالات التي يعرفها العكاري وأحياء يعقوب المنصور، كانت نتيجة تراكمات عقود خلت من سوء التدبير والتسيير، أدت إلى تفشي مختلف المشاكل الاجتماعية والاقتصادية في هذه الأحياء، مشيرا إلى أن نظام المقاطعات هو نظام فاشل وغير قادر على إيجاد حلول جذرية، لما تعيشه هذه الأحياء بسبب غياب سياسة واضحة لتنمية البلاد والصراعات الكبيرة بين المكونات الحزبية في المقاطعات الجماعية، كما لم يفوت الفرصة للإشادة بالأعمال الجريئة، التي قامت بها الجهات المعنية من أجل تحرير الملك العمومي؛ خاصة في شارعي الكفاح والجيش الملكي في إطار برنامج مدينة الأنوار، البرنامج الذي يعول عليه كثيرا للارتقاء أكثر بالمدينة وتجاوز الاختلالات..

"الإشكال ليس في الإصلاح بل يجب مواكبة الإصلاح من أجل الحفاظ على استمراريته، وتجاوز كل الخلافات السياسية.." كان هذا تعليق رئيس الرابطة الوطنية للتنمية الاجتماعية والاقتصادية حول الحلول التي يجب اتخاذها لانتشال المئات من الأسر والآلاف من الشباب من مستنقع الجريمة والتهميش..عبر فتح المركبات الثقافية لتأطير الشباب وصونا لتاريخها كسينما الريف بالعكاري والباهية بشارع الكفاح، اللتان هجرهما الجميع عوض فتحهما إلى جانب المؤسسات التعليمية في فصل الصيف في وجه الجمعيات للتأطير وتقديم خدمات اجتماعية وثقافية..   

الباحثون في القمامة..في سبيل لقمة العيش دون الاكتراث بالمخاطر الصحية

يعتاد الجميع وهو في أحد أحياء يعقوب المنصور أو العكاري، رؤية أشخاص حاملين أكياسا رثة كبيرة على ظهورهم يجرون كراريس، يطوفون بها على حاويات الأزبال في كل صباح قبل مجيء عمال النظافة، يقومون بالبحث في النفايات وغربلتها لاستخلاص أشياء ذات قيمة منها، قصد بيعها لمن يستعملها كمادة مكررة في إنتاج شتى المواد، تبقى هذه "المهنة" غير حضارية نوعا ما، لكنه يبقى هذا هو واقع الحال، خاصة في مثل هذه الأحياء التي تعرف تواجدا بكثرة لهؤلاء المعروفون بأسماء عديدة أشهرها "الميخالة" أو "النباشون" في القمامة، حيث تمر بالقرب منه وهو منهك في البحث في القمامة يرميها ذات الشمال واليسار، بحثا عن مبتغاه بالاستعانة بعصا حديدية..

المشهد يتكرر في أغلب أماكن الحي الغول كما يسمى وفي كل ساعة بالليل والنهار، نباشون منهكون في البحث تلتقي نظرتك وإياهم وأنت مار بالجوار منهم، مستغربين النظر إليهم وكأن لسان حالهم يقول "ما بال هذا"، حتى بعض الأطفال يفتشون ويبعثرون القمامة على الأرض بجانب الحاويات ليفرزوها ويأخذوا منها ما يروقهم ويتركوا الفوضى من ورائهم، ولاشك أن الاحتكاك البدني المباشر بالقمامة بدون ملابس واقية، ينجم عنها أمراض صحية جد خطيرة، لخصها أحد الأطباء في مستشفى مولاي يوسف في تصريح للحركة في الإصابة بالتهابات عديدة مثل التهاب الكبد الإنتاني وأمراض القلب..كما أن بعثرة هذه القمامة تؤدي إلى انتشار الحشرات وبعض القوارض إضافة إلى أضرار صحية واجتماعية، خاصة ونحن على أبواب الصيف وما يمكن أن تسببه من خدش للسياحة الوطنية، خاصة وأن "الميخالة" متواجدون حتى في بعض الأحياء الراقية، وتبقى أسباب انتشارها تكمن مجملها في الفقر وعدم الوعي بالأضرار الجانبية. 

وما لا يختلف عليه اثنان هو أن تدبير قطاع النظافة بأحياء يعقوب المنصور، يعرف مشاكل وإكراهات عديدة تظهر للعيان، في عدة أحياء حيث يعبر ساكنيها عن عدم رضاهم على هذا القطاع الحساس، النموذج من حي العكاري، حيث ما إن يعم الدجى المكان حتى يهم أشخاص إلى إحدى حاويات النفايات من الحجم الكبير الموجودة في مكان سوق العكاري، الذي قامت السلطات باجتثاثه سابقا، عملهم يبدؤونه قبل منتصف الليل من أجل أن يكونوا سباقين للوصول إلى مواد بلاستيكية أو زجاج أو خبز، ولما لا إن حالفهم الحظ العثور ضمن المتلاشيات على أشياء قيمة سقطت من أصحابها، حيث يقول أحد "الميخالة" وهو أحد ساكنة الحي أنه "في السابق أحد أصدقائه عثر على خاتم ذهبي في إحدى حاويات الأزبال" وما إن طلبنا منه أن يتحدث لنا عن عمله حتى بادر إلى عرض بعض المتلاشيات في كيسه وقال ما الضرر في أن نجمعها بعدما يرميه الناس ثم نقوم ببيعها لأحد المعتمدين في تثمين المتلاشيات البلاستيكية أو الحديدية..".

بين مصطلح "النباش" و"الميخالة" كما يسميهم المغاربة، تبقى تلك الصورة السلبية لاصقة في خاطر المغاربة، فالنباشون يخاطرون بالبحث وسط القمامة معرضين أنفسهم إلى عدة أمراض تصيب غالبيتهم نتيجة عدم إتباع الإرشادات الصحية والبيئية الضرورية، ولا يجنون غير دراهم معدودة عن حصيلة ما يلتقطونه من الحاويات وأماكن رمي الأزبال، في حين يجني الوسطاء وأرباب المصانع أموالا كبيرة من إعادة تصنيع ما توصلوا به، معاناة هؤلاء لا يحس بها غيرهم ونتائج ما يقومون به لا يتجرع ألامه سواهم، لهذا كان مطلب إعادة تنظيمهم في جمعية توفر الظروف الملائمة لهم قصد القيام بأعمالهم بشكل سليم وفي أحسن الظروف، لهذا الغرض تم إنشاء السنة المنصرمة هيئة تعنى بشؤون هذه الفئة بداخل المجلس الحضري لمدينة الرباط

{facebookpopup}