تحقيق صادم: بوتان الفقراء بسطات… حين يتحوّل الدعم إلى وقود للأرباح المشبوهة ولغما في جيوب المواطنين

تحقيق صادم: بوتان الفقراء بسطات… حين يتحوّل الدعم إلى وقود للأرباح المشبوهة ولغما في جيوب المواطنين

حين يُفترض أن يحمي الدعم العمومي لغاز “البوتان” القدرة الشرائية للفئات الهشة، تظهر خيوط قصة مقلقة: غاز موجّه للطبخ، يُعاد تدويره في الظل ليُغذّي صناعة مشبوهة، تضاعف الأرباح وتُضاعف معها المخاطر. ففي الأزقة الهادئة للمنطقة الصناعية لمدينة سطات، تبدأ حكاية مقلقة، حكاية لا تُرى بالعين المجرّدة، لكن منتوجها يتسلل إلى جيوب المواطنين على شكل ولّاعات صغيرة، قد تحمل في داخلها أكثر مما توحي به.

بين مصنع يشتغل خلف واجهة قانونية، وشبكات عمل غير مرئية تمتد داخل الأحياء الشعبية، تتقاطع مصالح الربح السريع مع غياب الرقابة الصارمة، في مشهد يطرح أسئلة ثقيلة: من يحمي المستهلك؟ ومن يراقب مسار الدعم؟ وكيف تتحول “قنينة الفقراء” إلى وقود لاقتصاد موازٍ قد يهدد السلامة العامة؟

هذا التحقيق لا يكتفي بسرد الوقائع، بل يغوص في التفاصيل الدقيقة، يكشف المسكوت عنه، ويضع أمام المسؤولين والرأي العام صورة واضحة لواحد من أخطر أشكال استنزاف المال العام، قبل أن يتحول الخطر الصامت إلى كارثة معلنة.

مصنع بسطات بين خرق القانون وتبديل النشاط

مصنع صيني يستقر بمدينة سطات، متخصص في تصنيع الولاعات بعلامة تجارية “س.ر”، بعدما اكترى مواطن صيني معملا بالمنطقة الصناعية لعاصمة الشاوية، يمتد على مساحة تصل 1096 متر مربع، في البقعة الجماعية رقم 47 التي تم بيعها في إطار تشجيع الاسثتمار والمستثمرين بتاريخ 28 يونيو 1997 وفق شهادة الاستفادة لفائدة شركة “س.ل”، حيث تم بناء مصنع لصناعة الأكياس البلاستيكية الممنوعة وفق التشريعات المغربية، قبل أن يتحول بقدرة قادر لتصنيع الولاعات.

قنينة مدعّمة.. وولّاعة قد تنفجر

في زمن تتقاذفه أزمات الطاقة وارتفاع أسعار النفط، يصبح لكل درهم من الدعم العمومي معنى استراتيجي. لكن في سطات، يبدو أن جزءًا من هذا الدعم يجد طريقه إلى مسارات مريبة، حيث تُستعمل قنينات غاز البوتان المدعّم—الموجهة أساسًا للأسر الهشة—في تعبئة ولّاعات تُباع للمواطنين، دون أدنى احترام لمعايير السلامة. النتيجة؟ منتوج رخيص ظاهريًا… مكلف صحياً وأمنياً.

يبلغ دعم الدولة للحفاظ على سعر “البوتان”، 78 درهما عن كل قنينة من 12 كلغ، حيث تصل الكلفة الشهرية لهذا الإجراء مبلغ 600 مليون درهم، وفق تصريح رسمي للوزير المنتدب لدى وزيرة الاقتصاد والمالية المكلف بالميزانية، “فوزي لقجع” مع مطلع الشهر الجاري.

مصنع في الظل.. نشاط يتبدل حسب “الفرصة”

داخل المنطقة الصناعية، يقف مصنع بملامح قانونية، لكنه يخفي تحولات مثيرة. من صناعة الأكياس البلاستيكية -الممنوعة قانوناً-إلى تصنيع الولّاعات، يبدو أن النشاط الاقتصادي هنا يتشكل وفق منطق الربح لا وفق منطق القانون. مساحة المصنع، وتاريخه العقاري، وشهادات الاستفادة… كلها معطيات قانونية، لكن الممارسة على الأرض تطرح أكثر من علامة استفهام.

اقتصاد موازٍ… وأيادٍ عاملة في الهامش

المعطيات المتداولة تشير إلى أن المصنع لا يكتفي بإنتاجه الداخلي بتشغيل ما يناهز 20 عامل فقط، في وقت يستعين بالمكننة في باقي عمليات التصنيع، بل يعتمد على شبكة غير رسمية داخل الأحياء الشعبية، حيث تُجنَّد أسر بسيطة لتجميع الولّاعات مقابل مبالغ زهيدة. نموذج يعيد إلى الأذهان اقتصاد “البيوت المصنِّعة” الذي يزدهر في الظل، بعيدًا عن أعين المراقبة، وبكلفة اجتماعية خفية: هشاشة، استغلال، وغياب للحماية.

منتوج بلا هوية.. ومخاطر عابرة للحدود

الولّاعات المنتَجة لا تحمل فقط شبهة الغش التجاري، بل قد تشكّل خطرًا حقيقيًا على المستهلك. غياب المعايير التقنية، احتمال التسرب، ضعف جودة المواد… كلها عوامل تجعل من “بريكي” بسيط قنبلة صغيرة في جيب المواطن. الأخطر أن هذه المنتجات لا تتوقف عند السوق المحلية، بل تمتد نحو التصدير، ما قد يفتح الباب أمام أزمات ثقة وحتى توترات تجارية ولما لا أزمة دبلوماسية بين المغرب وعدد من الدول الإفريقية المستقبلة للمنتوج.

صمت المراقبة.. أم عجز التدخل؟

تحذير رسمي صادر عن مكتب حفظ الصحة ببلدية سطات بعد مداهمة المصنع صبيحة يوم الخميس 7 أبريل 2022، كما حلت داخله عدد من اللجن الإقليمية في وقت لاحق، لتحذيره للعدول عن ممارساته، غير ان التوصيات لم تجد لها طريقا للأجرأة الميدانية، فرغم خطورة المعطيات، يظل السؤال معلقًا: أين أجهزة المراقبة؟ هل يتعلق الأمر بثغرات قانونية؟ أم بنقص في الموارد؟ أم بتواطؤ صامت؟ ما هو مؤكد أن استمرار هذا الوضع يعني تعريض سلامة المواطنين للخطر، وإضعاف ثقة الرأي العام في فعالية المؤسسات.

تقاطع التجارب بين سطات ومصانع الصين ومداهمات مصرية

مصنع سطات نسخة مقلدة لعدد من المصانع المنتشرة في المجمع الصناعي لمحافظة شاودونغ، ومقاطعة هونان بوسط الصين، المتخصصة في تقليد العلامات التجارية للولاعات ذات الاستعمال الوحيد. في وقت داهمت قسم مباحث التموين بمديرية أمن المنوفية دائرة مركز شرطة السادات بجمهورية مصر، مصنعين لإنتاج الولاعات مجهولة المصدر والعثور على أطنان من الولاعات مجهولة المصدر، مقلدة لماركات عالمية، ما يفتح اسقاطات في علاقة الأمر مع ما يقع بمدينة سطات المغربية.

الدعم العمومي.. من حماية القدرة الشرائية إلى تغذية الريع

في قلب القضية يكمن سؤال جوهري: كيف يتحول دعم موجه لحماية القدرة الشرائية إلى أداة لتضخيم أرباح خاصة؟ الدولة تتحمل مبالغ ضخمة للحفاظ على سعر غاز البوتان، لكن جزءًا من هذا الجهد يتبخر في مسارات غير مشروعة، ما يفرغ السياسة الاجتماعية من مضمونها ويحوّلها إلى رافعة للريع.

على سبيل الختم..

القضية تتجاوز مجرد مصنع أو منتوج مغشوش، حين يتحول “البوتان” إلى بارود اجتماعي. نحن أمام نموذج مصغّر لاختلال أعمق: دعم عمومي يُستنزف، اقتصاد موازٍ يتمدد، ومخاطر صحية تتسلل إلى حياة المواطنين. إذا لم يتم التحرك بحزم، فإن “بوتان الفقراء” لن يظل مجرد غاز للطبخ، بل قد يتحول إلى بارود اجتماعي، يُشعل أسئلة أكبر حول العدالة، الرقابة، وحماية المال العام. فهل يتدخل مسؤولو سطات على الخصوص والقطاعات الحكومية المسؤولة عامة قبل فوات الآوان؟

ملاحظة: الصورة المرفقة حقيقية ومن داخل المصنع….

…يتبع…