سطات في مواجهة صيف العطش الترفيهي.. حين تتحول الفضاءات الخضراء إلى منتجعات عائلية ويصبح “كرين بارك” آخر قلاع الأمل
مع كل صيف جديد، تتجدد أسئلة قديمة في مدينة سطات حول حق الساكنة في الترفيه والاستجمام، وهي الأسئلة التي تبدو أكثر إلحاحاً هذا الموسم في ظل محدودية المرافق الموجهة للعائلات والأطفال والشباب، مقارنة بما تعرفه مدن أخرى بالمملكة من دينامية متسارعة في إحداث وتجديد الفضاءات الترفيهية والثقافية والرياضية.
ففي الوقت الذي تستعد فيه مدن مغربية عديدة لاستقبال موسم الاصطياف مع ما يرافق ذلك من تضاعف عدد الزوار وحلول مغاربة العالم، حيث يتم التحضير لبرامج فنية وثقافية ورياضية متنوعة لاستقبالهم، وجدت ساكنة سطات نفسها أمام صيف باهت العناوين، بعدما خفت وهج عدد من التظاهرات المحلية، في ظل تخوفات غير معلنة من تحول بعض الأنشطة الجماعية إلى منصات للدعاية الانتخابية المبكرة مع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية المقبلة.
وأمام هذا الواقع، لم تعد العائلات السطاتية تجد متنفساً سوى بعض الفضاءات الخضراء التي تتحول مع حلول المساء إلى وجهة يومية للهاربين من حرارة المنازل ورتابة الأيام. أما الأطفال والشباب، فيبقى المركب السياحي الجماعي المعروف اختصارا بـ”كرين بارك” الملاذ شبه الوحيد القادر على توفير حد أدنى من الترفيه داخل المدينة، رغم ما يحيط بوضعيته من تعقيدات قانونية وإدارية عمرت لسنوات طويلة.
غير أن الوجه الآخر لهذه الأزمة يبدو أكثر خطورة، حين يدفع غياب البدائل الترفيهية عدداً من اليافعين والشباب، خاصة المنحدرين من أسر محدودة الدخل، إلى البحث عن متنفسهم وسط الأودية والبحيرات غير المحروسة، وهي مغامرات تنتهي في كثير من الأحيان بمآسٍ إنسانية تتكرر كل صيف، وتحول لحظات البحث عن الانتعاش إلى فواجع تترك جراحاً غائرة داخل الأسر والمجتمع.
إن ما تعيشه سطات اليوم لم يعد مجرد خصاص في مرافق الترفيه، بل بات عنواناً لاختلال رؤية تنموية عمرت داخل مجالس متعاقبة، ما يفرض التفكير في رؤية تنموية جديدة تجعل من جودة الحياة جزءاً أساسياً من السياسات العمومية المحلية. فالتنمية لا تقاس فقط بعدد الطرق والمباني والمنشآت، بل أيضاً بقدرة المدن على توفير فضاءات للراحة والترفيه وصناعة الفرح الجماعي.
ومن هذا المنطلق، تتجه الأنظار نحو عامل إقليم سطات باعتباره منسقاً لمختلف المتدخلين الترابيين والمؤسساتيين، من أجل إطلاق مقاربة استشرافية تدمج المرافق الترفيهية والاستجمامية ضمن المشاريع التنموية المستقبلية للإقليم، بما يضمن استجابة حقيقية لتطلعات الساكنة، خصوصاً فئة الأطفال والشباب.
كما يظل ملف “كرين بارك” أحد أبرز الملفات التي تنتظر مبادرة جريئة للخروج من دائرة التعقيد. فبعد سنوات من الأحكام القضائية والقرارات الإدارية المتشابكة، يبدو أن الحاجة أصبحت ملحة للبحث عن تسوية توافقية متوازنة تحفظ حقوق الجماعة الترابية ومصالحها المالية والعينية، وتصون في الوقت ذاته حقوق المستثمر وتبعث رسائل طمأنة للمقاولة والاستثمار، دون إغفال المصلحة العليا للساكنة التي تبقى الهدف الأسمى لأي حل مرتقب.
ولعل اللحظة الراهنة تقتضي من جميع الأطراف التحلي بروح المسؤولية وتقديم تنازلات متبادلة، لأن الرابح الحقيقي في النهاية يجب أن يكون المواطن السطاتي، الذي لا يطالب سوى بحقه المشروع في مدينة توفر لأبنائها فضاءات للحياة والفرح والأمل، بدل أن يظل الصيف فيها موسماً لانتظار حلول مؤجلة ووعود لا تنتهي.
فهل يكون صيف 2026 آخر مواسم المعاناة الترفيهية بسطات؟ أم أن المدينة ستواصل البحث عن متنفساتها الضائعة بين تعقيدات الملفات وتباطؤ الحلول؟ سؤال يظل معلقاً في انتظار إرادة جماعية تضع مصلحة الساكنة فوق كل اعتبار.


