ربورطاج: من إغلاق شارع محمد الخامس بسطات إلى قرار إعادة فتحه.. مشروع تحوّل من ساحة عمومية إلى سؤال مفتوح حول تدبير المال العام!

ربورطاج: من إغلاق شارع محمد الخامس بسطات إلى قرار إعادة فتحه.. مشروع تحوّل من ساحة عمومية إلى سؤال مفتوح حول تدبير المال العام!

في مدينة سطات، لا يتعلق الأمر بمجرد شارع أُغلق ثم تقرر فتحه من جديد، ولا بمجرد تغيير في اتجاهات حركة السير والجولان؛ بل نحن أمام قصة مشروع عمراني أثار الكثير من التساؤلات، بعدما انتقل شارع محمد الخامس من وظيفته الطرقية إلى فضاء مخصص لإحداث ساحة عمومية، قبل أن يعود النقاش مجدداً حول استعادة دوره الأصلي كممر طرقي، في مشهد يفتح الباب أمام أسئلة عميقة بشأن التخطيط الحضري، وتنسيق الاختصاصات بين المؤسسات المنتخبة، وتدبير المال العام.

إنها حكاية شارع لم يكن إغلاقه مجرد إجراء عابر، بل قراراً ترتبت عنه تحولات في حركة السير داخل المدينة، وفرض واقع جديد على مستعملي الطريق، قبل أن تعود الجماعة لتطرح خيار إعادة فتحه، وكأن الزمن يعيد نفسه، ولكن هذه المرة في الاتجاه المعاكس.

من شارع نابض بالحركة إلى ساحة عمومية

بدأت فصول هذه القضية عندما اتجه المجلس الإقليمي لسطات إلى إنجاز مشروع تهيئة ساحة محمد الخامس، وهو المشروع الذي استدعى إغلاق جزء من الشارع وتحويله من محور طرقي إلى فضاء عمومي. وكان المشروع جزءاً من تصور يرمي إلى تهيئة المجال الحضري وإحداث فضاءات جديدة، غير أن تحويل شارع رئيسي إلى ساحة لم يكن قراراً بسيطاً، بالنظر إلى موقعه داخل النسيج العمراني للمدينة، والدور الذي كان يؤديه في تنظيم حركة المرور.

والأكثر إثارة في هذا الملف أن المشروع لم يمر دون أن يثير إشكالات تتعلق بالتنسيق المؤسساتي، خصوصاً أن المجلس الإقليمي كان صاحب المشروع المنتدب، بينما يقع مجال إنجازه داخل النفوذ الترابي لجماعة سطات.

وفي هذا السياق، يكتسب السؤال الكتابي رقم 17597، الذي تقدم به النائب حسن الحارس بمجلس النواب، أهمية خاصة؛ إذ تناول صفقة المجلس الإقليمي المتعلقة بتهيئة ساحة محمد الخامس وبحيرة المزامزة، وأشار إلى غلاف مالي إجمالي بلغ 33 مليوناً و594 ألف درهم، كما أثار مسألة غياب الاستشارة المسبقة مع مصالح جماعة سطات.

وهي معطيات تضع المشروع أمام تساؤلات مشروعة: هل كان هناك تنسيق كافٍ بين المؤسستين؟ وهل جرى تقييم الأثر المروري لتحويل الشارع قبل اتخاذ قرار الإغلاق؟ وهل كانت الساحة، بصيغتها الجديدة، هي الاختيار الأنسب لهذا الموقع؟

المجلس الجماعي يفتح ملف إعادة فتح الشارع منذ ماي 2023

المفارقة أن فكرة إعادة فتح شارع محمد الخامس لم تظهر مع انطلاق اشغال فتح الشارع نهاية الأسبوع الجاري، بل سبق للمجلس الجماعي أن وضعها على طاولة النقاش الرسمي، حيث خلال دورته العادية لشهر ماي 2023، وتحديداً يوم 3 ماي، تضمن جدول أعمال المجلس نقطة تتعلق باتخاذ مقرر لإعادة فتح المقطع الطرقي الممتد من أمام الشباك الوحيد لرخص التعمير والبناء إلى مدارة الحرية،  لكن المجلس قرر، بإجماع الأعضاء الحاضرين، تأجيل البت في هذه النقطة إلى دورة لاحقة، مع التوصية بإدراج الموضوع ضمن تصميم التهيئة لمدينة سطات.

وهنا تبرز مفارقة تستحق التأمل: فبعد أن جرى إغلاق الشارع لإحداث ساحة، أصبح المجلس الجماعي يناقش إعادة فتحه، في انتظار الحسم في الاختيار التخطيطي الذي سيحدد مستقبل هذا المقطع. إنها لحظة تكشف أن المشروع، منذ تلك المرحلة، لم يكن بمنأى عن النقاش بشأن جدوى الإبقاء على الإغلاق ومدى ملاءمته لحاجيات المدينة.

تصميم التهيئة.. المنعطف الذي أعاد رسم مستقبل الشارع

مع صدور المرسوم رقم 2.24.1054 بتاريخ 6 دجنبر 2024، المتعلق بالمصادقة على تصميم التهيئة لمدينة سطات، عاد الملف إلى الواجهة من زاوية تخطيطية جديدة.

فقد أصبح تصميم التهيئة أحد المراجع التي استند إليها النقاش حول إعادة فتح الشارع، في ظل الحاجة إلى إعادة النظر في تنظيم حركة السير داخل المدينة، وما ترتب عن إغلاق المقطع من ضغط على محاور أخرى، وفي مقدمتها شارع الحسن الثاني.

وبذلك لم يعد النقاش مقتصراً على المفاضلة بين ساحة عمومية وشارع مفتوح، بل أصبح يتعلق بمدى انسجام الاختيارات العمرانية مع الواقع المروري والحاجيات اليومية للسكان.

دجنبر 2025.. إعلان يعيد الأمل في فتح الشريان الحضري

في الثالث من دجنبر 2025، أعلنت رئيسة جماعة سطات، ندية فضمي، التوجه نحو إعادة فتح شارع محمد الخامس تفاعلا مع المطالب الشعبية للمواطنين والهيئات المهنية والحرفية المتواجدة بموقع المشروع، وتحديداً المقطع الرابط بين عمارة الأقواس ومدارة الحصان. وجاء هذا الإعلان في سياق الحديث عن الاختناق المروري الذي تعرفه بعض شوارع المدينة، وعن الحاجة إلى تخفيف الضغط على شارع الحسن الثاني، فضلاً عن الاستناد إلى مقتضيات تصميم التهيئة الجديد.

كان الإعلان بمثابة عودة رسمية لملف ظل حاضراً في النقاش المحلي، لكنه لم ينهِ الأسئلة المرتبطة بالمراحل السابقة، ولا سيما ما يتعلق بمآل الساحة التي أُحدثت، وحجم الأموال التي رُصدت لتهيئتها، ومدى تحقيقها للأهداف التي بررت إغلاق الشارع من أجلها في وقت سابق.

7 نونبر 2026.. الشارع يستعيد صوته من جديد

وبعد سنوات من الإغلاق والنقاش والتأجيل، حمل يوم السبت 7 نونبر 2026 تطوراً ميدانياً لافتاً، مع انطلاق أشغال إعادة فتح شارع محمد الخامس أمام حركة السير والجولان. وهكذا دخل الملف مرحلة جديدة، لم تعد فيها إعادة الفتح مجرد تصريح أو وعد، بل أصبحت ورشاً على أرض الواقع.

إن عودة الأشغال إلى هذا المقطع تعيد إلى الواجهة سؤالاً جوهرياً: هل كان من الضروري أصلاً التخلي عن وظيفته الطرقية، إذا كانت المدينة ستعود بعد سنوات إلى التفكير في استرجاعها؟ وإذا كانت إعادة الفتح تستجيب اليوم لحاجيات مرورية وتخطيطية، فما الذي تغير في المعطيات التي بُني عليها قرار الإغلاق بالأمس؟

المال العام بين منطق الإنجاز وضرورة التقييم

بعيداً عن المواقف المؤيدة أو المعارضة لإحداث الساحة، فإن القضية تفرض نقاشاً أكثر عمقاً يتعلق بمسؤولية المؤسسات المنتخبة في تقييم المشاريع العمومية، ليس فقط عند إطلاقها، وإنما أيضاً بعد إنجازها واستغلالها.

فالمشاريع لا تقاس فقط بحجم الاعتمادات المرصودة لها، ولا بالصور التي تلتقط عند تدشينها، وإنما بمدى استجابتها لحاجيات السكان، وقدرتها على تحسين جودة الحياة، واستمرار جدواها على المدى الطويل.

ومن هنا، فإن مبلغ 33 مليوناً و594 ألف درهم الوارد في السؤال البرلماني المتعلق بتهيئة ساحة محمد الخامس وبحيرة المزامزة يستحق توضيحاً دقيقاً، خصوصاً أن المبلغ يتعلق بالمشروعين معاً، وليس بالساحة وحدها. كما أن إعادة فتح الشارع تفرض ضرورة توضيح طبيعة الأشغال الجديدة، وكلفتها، وكيفية تدبير التجهيزات والمنشآت التي سبق إنجازها في إطار مشروع التهيئة.

أسئلة لا ينبغي أن تضيع وسط ضجيج الأشغال

اليوم، ومع عودة الجرافات والآليات إلى شارع محمد الخامس، تبدو الحاجة ملحة إلى تقديم أجوبة رسمية وواضحة عن عدد من الأسئلة: من اتخذ القرار الأصلي بإغلاق الشارع، وما هو التاريخ الدقيق للمداولة؟ هل تمت استشارة جماعة سطات قبل إطلاق مشروع الساحة؟ ما التكلفة الفعلية للأشغال المتعلقة بساحة محمد الخامس وحدها؟ هل جرى تقييم المشروع بعد إنجازه، وما النتائج التي خلص إليها؟ ما أسباب عدم الحسم في إعادة فتح الشارع خلال دورة ماي 2023؟ ما الكلفة الجديدة لإعادة فتح المقطع الطرقي؟ وما مصير التجهيزات والمنشآت التي أنجزت سابقاً؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة ليست تصفية حسابات مع مؤسسة أو مسؤول، وإنما تدخل في صميم الحق في المعلومة، وربط تدبير الشأن العام بالشفافية والمساءلة.

سطات لا تحتاج إلى تدوير المشاريع.. بل إلى رؤية حضرية مستدامة

في نهاية المطاف، لا ينبغي أن يتحول النقاش حول شارع محمد الخامس إلى مجرد سجال حول من أغلق ومن فتح، أو إلى تبادل للمواقف بين المجالس المنتخبة.

الأهم هو استخلاص الدروس من هذه التجربة، وتحديد المسؤوليات المؤسساتية، وتقييم الكلفة والنتائج، حتى لا تجد المدينة نفسها مستقبلاً أمام مشاريع تنطلق في اتجاه، ثم تعود بعد سنوات لتسلك الاتجاه المعاكس.

فالساحات العمومية ضرورة حضرية، والطرق والمحاور المرورية ضرورة أيضاً، لكن نجاح التخطيط لا يتحقق بوضع أحدهما في مواجهة الآخر، وإنما بإيجاد التوازن بين حاجيات التنقل وجودة الفضاءات العمومية.

على سبيل الختم…

شارع محمد الخامس اليوم يعود إلى الواجهة، لكن السؤال الذي ينبغي ألا يغلق بإعادة فتحه هو: كم كلف هذا الاختيار مدينة سطات، وهل كان بالإمكان تفادي هذه الرحلة الطويلة بين الإغلاق وإعادة الفتح؟

ذلك هو جوهر القضية، وتلك هي الأسئلة التي تنتظر أجوبة موثقة، لأن المال العام ليس مجالاً للتجريب غير المحسوب، ولأن المدينة تستحق مشاريع تُبنى على رؤية واضحة، لا قرارات تتغير بتغير المراحل والظروف.