الطاهر بونافع رئيس هيئة قطاع الحمامات يقطر الشمع على برلماني “المصباح” بإقليم سطات: واش مشاكل الإقليم اختزلتوها في ثمن الحمّام؟
في الوقت الذي تنتظر فيه ساكنة إقليم سطات من ممثليها داخل قبة البرلمان إثارة الملفات الثقيلة التي تؤرق يومياتها، من طرق محفّرة ومرافق صحية تعاني الخصاص، إلى خدمات أساسية تبحث عمن ينصت لمعاناتها، اختار البرلماني علي فاضي، عن حزب العدالة والتنمية، أن يطرق باب وزير الداخلية بسؤال كتابي حول ارتفاع تسعيرة الحمامات التقليدية بمدينة ابن أحمد. سؤال فجّر نقاشاً محلياً، وفتح الباب أمام ردود فعل لم تخلُ من السخرية والاستغراب، خصوصاً من طرف المهنيين الذين وجدوا أنفسهم فجأة في قفص الاتهام بسبب ثمن “التدويشة”.
ولعل أكثر الردود إثارة للانتباه جاء من الطاهر بونافع، رئيس الهيئة الحرفية لقطاع الحمامات ومحلات التدليك والدوشات بإقليم سطات، ورئيس الجمعية السطاتية لأرباب الحمامات والدوشات، الذي لم يفوّت الفرصة ليوجه رسائل مباشرة إلى البرلماني المذكور، على شبكة التواصل الاجتماعي، واضعاً إياه أمام سؤال يبدو بسيطاً في صياغته، لكنه ثقيل في دلالاته: أهذه هي فعلاً الأولويات التي تستحق أن تستنفروا من أجلها آليات الرقابة البرلمانية؟
“بونافع” لم ينازع البرلماني حقه الدستوري في مساءلة الحكومة، ولم يعترض على الدفاع عن القدرة الشرائية للمواطنين، لكنه بدا مستغرباً من حجم الاهتمام الذي حظي به ملف الحمامات، وكأن إقليم سطات قد استوفى نصيبه من التنمية، ولم يتبقَّ أمام ممثليه سوى الدخول في معركة “الدراهم العشرين” التي يؤديها المواطن مقابل الاستحمام.
وبنبرة لا تخلو من العتاب اللاذع، تساءل “بونافع” عن غياب أسئلة برلمانية بالحدة نفسها حول واقع الطرقات المتدهورة، وضعف الخدمات الصحية، ونقص التجهيزات بالمؤسسات الاستشفائية، ومعاناة المواطنين مع البنيات التحتية والخدمات الأساسية. وهي ملفات، لو حظيت ببعض من حرارة السؤال الموجه إلى وزير الداخلية، لربما وجدت طريقها إلى واجهة النقاش العمومي بدل أن تظل حبيسة شكاوى المواطنين وانتظاراتهم.
والأكثر إحراجاً في هذا السجال أن السؤال البرلماني، وفق قراءة المهنيين، ركّز على ما يؤديه المواطن، دون أن يتوقف طويلاً عند ما يؤديه صاحب الحمام نفسه. فهل يمكن الحديث عن تسعيرة الاستحمام دون الحديث عن كلفة الحطب ومواد التنظيف والطاقة والماء وأجور المستخدمين؟ وهل أصبح أرباب الحمامات مطالبين بتقديم خدماتهم بأسعار الأمس، بينما تكاليف اليوم تسابق بعضها البعض نحو الأعلى؟
وبحسب المعطيات التي قدمها الطاهر بونافع، فإن أسعار حطب التدفئة عرفت ارتفاعاً لافتاً، بعدما كان الكيلوغرام الواحد في حدود نصف درهم تقريباً خلال السنة الماضية، بينما أصبح منذ بداية السنة الحالية يناهز درهماً واحداً أو يتجاوزه في بعض الحالات. أما شاحنة الحطب الواحدة، فقد تصل قيمة حمولتها إلى حوالي 20 ألف درهم، وهو مبلغ كفيل بأن يجعل صاحب الحمام يعيد حساباته قبل أن يشعل الفرن، وربما قبل أن يفتح أبوابه أصلاً.
ولم يكتفِ “بونافع” بالتذكير بارتفاع تكاليف التشغيل، بل استحضر أيضاً جراح مرحلة جائحة كورونا، حين أُجبرت الحمامات على الإغلاق، وتكبد أربابها خسائر مالية وديوناً والتزامات، فضلاً عن العمال والمستخدمين الذين فقد عدد منهم مصدر رزقهم. وهي تداعيات، بحسبه، لم يتجاوزها عدد من المهنيين بشكل كامل إلى اليوم.
وفي خضم هذا النقاش، حاول رئيس الهيئة الحرفية توضيح نقطة قانونية لا تقل أهمية، تتعلق بما ورد في السؤال البرلماني بشأن القانون رقم 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة، مؤكداً أن تحديد أسعار خدمات الحمامات يخضع، من حيث المبدأ، لحرية المنافسة، نافياً وجود اتفاق جماعي أو قرار صادر عن المهنيين يفرض تعريفة موحدة على جميع الحمامات.
وبمعنى آخر، فإن صاحب الحمام يحدد تسعيرته بشكل فردي، وفق تكاليف الاستغلال وظروفه الاقتصادية وجودة الخدمات المقدمة، وهو ما يفسر اختلاف الأسعار من مرفق إلى أخر، بحسب توضيحات “بونافع”.
لكن الرسالة الأكثر وضوحاً في خرجته لم تكن دفاعاً عن الزيادة في الأسعار بقدر ما كانت دفاعاً عن ضرورة فهم خلفياتها. فالرجل لا يقول إن القدرة الشرائية للمواطن لا تهمه، ولا يطالب بمنح أرباب الحمامات شيكاً على بياض لرفع الأسعار، وإنما يرفض أن يتحول المهني إلى الحلقة الأضعف في معادلة اقتصادية مختلة، يتحمل فيها وحده فاتورة ارتفاع التكاليف، بينما يُطلب منه الحفاظ على الأسعار وكأن الحطب ومواد التنظيف لا تعرف طريقها إلى الغلاء.
وكان “بونافع” يرى أن الأجدر بالبرلماني، إذا كان حريصاً فعلاً على مستقبل القطاع وعلى القدرة الشرائية للمواطنين، أن يوجه أسئلة حول سبل دعم الحمامات التقليدية، وتخفيف تكاليف الطاقة وحطب التدفئة، والبحث عن بدائل اقتصادية وطاقية تضمن استمرارية هذه المرافق، التي لا تقتصر وظيفتها على الاستحمام، بل توفر أيضاً فرص شغل وتؤدي أدواراً اجتماعية لفئات واسعة من المواطنين.
وهنا تكمن المفارقة التي جعلت رد “بونافع” يكتسب نبرة لاذعة: فبدل أن ينشغل النقاش البرلماني بكيفية إنقاذ قطاع مهني يواجه ضغوطاً متزايدة، جرى اختزال القضية في ثمن الاستحمام، وكأن المشكل كله يكمن فيما يدفعه المواطن عند مدخل الحمام، وليس في منظومة التكاليف التي تجعل استمرار هذه المرافق تحدياً اقتصادياً حقيقياً.
وبين سؤال برلماني اختار الحمامات موضوعاً له، ورد مهني أعاد ترتيب الأولويات على طريقته، يبقى السؤال المطروح على ممثلي إقليم سطات: هل يكفي أن نطرق أبواب الحكومة من أجل كل زيادة في خدمة يومية، أم أن المسؤولية التمثيلية تقتضي أيضاً فتح ملفات المحروقات والصحة والتعليم والطرق والتشغيل والاستثمار والتنمية المحلية؟
فالساكنة لا تنتظر من برلمانييها أن يصبحوا مفتشين في أسعار “التدويشة” فقط، بل تنتظر منهم أن يحملوا إلى قبة البرلمان وجع المستشفى، ومعاناة الطريق، واختلالات الخدمات، ومطالب الشباب في الشغل، وانتظارات الأسر في تنمية حقيقية.
أما الحمامات، فيبدو أنها دخلت بدورها نادي الملفات البرلمانية الساخنة، لكن السؤال الذي يفرض نفسه: إذا كان ثمن الاستحمام يستحق سؤالاً كتابياً، فكم سؤالاً يحتاجه واقع إقليم سطات حتى يجد طريقه إلى جدول أعمال البرلمان؟
إنها رسالة الطاهر بونافع إلى برلماني “المصباح”، ومفادها أن الدفاع عن القدرة الشرائية لا ينبغي أن يتحول إلى انتقاء للملفات السهلة، وأن إقليم سطات أكبر بكثير من أن تختزل انشغالاته في ثمن الحمام، مهما كانت أهمية هذا المرفق في الحياة اليومية للمواطنين.


