الماء حق دستوري وليس امتياز بإقليم سطات

الماء حق دستوري وليس امتياز بإقليم سطات

يبدو أن أزمة الماء في إقليم سطات قررت أن تتحول من مجرد مشكل في الصنابير إلى ضيف دائم على موائد النقاش السياسي والانتخابي؛ فالماء لا ينقطع فقط عن البيوت، بل ينقطع معه، في كثير من الأحيان، حبل الصبر لدى المواطن الذي لم يعد يعرف هل ينتظر عودة الصبيب، أم ينتظر عودة الوعود التي تسبق كل إصلاح وتختفي بعد كل انقطاع.

في عاصمة الشاوية ومختلف جماعات الإقليم، لا تزال أزمة الماء حاضرة كمًّا ونوعًا، رغم تغيير المؤسسة المشرفة على تدبير القطاع وانتقال المسؤولية إلى الشركة الجهوية متعددة الخدمات SRM. وكأن المشكلة، في نظر بعض من يتابعون هذا الملف، لم تكن في اسم المؤسسة أو شعارها، بل في ذلك “الإصلاح” الذي يبدو أنه يملك قدرة عجيبة على الظهور في البلاغات والتصريحات أكثر مما يظهر في الصنابير. فكلما انقطع الماء، حضرت عبارة الإصلاح، وكلما تغير لون المياه، وُجد تفسير تقني جاهز، أما المواطن فمطلوب منه أن يتحلى بالصبر… وكأن الصبر أصبح هو المورد المائي الوحيد الذي لم يعرف الانقطاع بعد!

والأكثر إثارة للسخرية أن مسلسل التبرير بات يشبه حلقات طويلة لا يعرف المواطن نهايتها: أشغال هنا، إصلاحات هناك، تدخلات استعجالية في مكان آخر، بينما يظل السؤال البسيط معلقًا: متى سيصل الماء إلى المواطن بشكل منتظم، وبجودة تليق بكونه ماءً للشرب؟ فالمواطن لا يطلب معجزة، ولا ينتظر أن تتحول صنابيره إلى ينابيع من ذهب؛ كل ما يريده هو أن يفتح الصنبور فيجد ماءً، وأن يثق في صلاحيته، وأن يعرف مسبقًا متى ينقطع ولماذا ومتى سيعود.

ولعل وصول بعض رؤساء الجماعات إلى مرحلة تذمر وخروجهم إلى الإعلام للتعبير عن استيائهم وكشف ما يعتبرونه مكامن الخلل، يحمل أكثر من دلالة. فإذا كان المنتخبون أنفسهم قد أصبحوا يطالبون بتفسيرات ويقر بعضهم بوجود فشل في تدبير الشركة الجهوية، فإن الأمر لم يعد مجرد تذمر عابر على مواقع التواصل الاجتماعي، بل بات ملفًا عموميًا يحتاج إلى جواب عمومي واضح ومسؤول.

وفي المقابل، دخول الهيئات السياسية على الخط والدعوة إلى وقفات احتجاجية يؤكد أن ملف الماء بدأ يغادر دائرة الشكايات الفردية ليدخل مربع الاحتجاج السياسي والمجتمعي. وهنا يصبح الصمت أقل فائدة من الماء الذي ينقطع، خصوصًا عندما تتكرر الاختلالات دون أن يعرف المواطن أين تنتهي مسؤولية المؤسسة وأين تبدأ مسؤولية باقي المتدخلين.

لقد آن الأوان، بكل بساطة، لأن تتوقف لغة “سنصلح” و”نعالج” و”سنقوم بالتدخلات اللازمة”، وأن تبدأ لغة الأرقام والحقائق والمحاسبة: ما سبب الانقطاعات؟ ما وضعية الشبكة؟ ما طبيعة الأشغال المنجزة؟ لماذا تتكرر الأعطاب؟ وما حقيقة الشكايات المتعلقة بجودة المياه؟ ومن يتحمل المسؤولية عندما يجد المواطن نفسه أمام صنبور جاف أو مياه يثير لونها أكثر من سؤال؟

وفي هذه اللحظة، تبرز مسؤولية عامل إقليم سطات باعتباره ممثل السلطة المركزية بالإقليم، ليس باعتباره طرفًا تقنيًا في تدبير قطاع الماء، وإنما باعتبار أن استمرار هذا الوضع يستدعي تدخلاً إداريًا جادًا لتجميع المتدخلين، والاستماع إلى المنتخبين والساكنة، وطلب توضيحات دقيقة حول أسباب الاختلالات ومآلات الإصلاحات. فالماء ليس ملفًا يحتمل لعبة شد الحبل بين المؤسسات، ولا مادة دعائية تُستعمل عند تدشين مشروع ثم تُنسى عند أول انقطاع.

لقد قالها الدستور بوضوح في الفصل 31، حين جعل الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية تعمل على تيسير استفادة المواطنات والمواطنين، على قدم المساواة، من الماء والعيش في بيئة سليمة. أما في سطات، فيبدو أن المواطن يريد فقط أن ينتقل من مرحلة “انتظروا الإصلاح” إلى مرحلة “استمتعوا بالخدمة”.

فالماء، في نهاية المطاف، لا يحتاج إلى خطب كثيرة ولا إلى بيانات منمقة؛ يحتاج إلى أن يجري في الأنابيب، صافياً ومنتظماً فقط.