المشهد الانتخابي بسطات.. ديمقراطية “VIP” وأخرى على الرصيف!

المشهد الانتخابي بسطات.. ديمقراطية “VIP” وأخرى على الرصيف!

في إقليم سطات، لا تحتاج الانتخابات إلى برامج بقدر ما تحتاج إلى “بطاقة ولوج” من الدرجة الأولى. نحن على مشارف موسم الوعود الجاهزة، حيث تعود الطيور الانتخابية المهاجرة إلى أعشاشها المؤقتة، محمّلة بخطابات محفوظة أكثر مما هي محمّلة بمشاريع حقيقية. والنتيجة؟ مشهد سياسي لا يثير القلق بقدر ما يدعو إلى الضحك… ضحك أسود بطعم صناديق الاقتراع.

المعادلة هنا مختلة بشكل فجّ: أحزاب الصف الأول تدخل السباق وهي تعلم مسبقاً أن ثلاثة مقاعد موضوعة جانباً لها، كما تُحجز الطاولات في مطاعم فاخرة قبل وصول الزبائن. لا حاجة لحملة، لا ضرورة لبرنامج، ولا حتى مجهود لإقناع الناخب. فقط اسم أي مرشح محتمل بجانب رمز الحزب، والباقي تفاصيل تقنية تُحسم ليلة الفرز.

أما التزكية، فقد تحولت من آلية ديمقراطية إلى “شهادة جودة سياسية”، تُمنح للبعض وكأنها صك غفران انتخابي. مرشحون لا يعرفون أحياء المدينة إلا عبر خرائط غوغل، ولا يسمعون هموم الساكنة إلا عبر تقارير موسمية، ومع ذلك يُقدَّمون كمنقذين محتملين. يكفي أن تُعلّق صورهم على الجدران، ليبدأ العد التنازلي نحو مقعد شبه مضمون في البرلمان.

الأكثر إثارة للسخرية، أن هذا الامتياز الحزبي فتح باب “الاستيراد السياسي” على مصراعيه. وكأن سطات، بتاريخها وكفاءاتها، عاجزة عن إنتاج نخبها، فصار يُستقدم المرشح كما تُستورد السلع الاستهلاكية: جاهز، مغلف، ومرفق بوعود لا تشمل خدمة ما بعد الفوز. أما أبناء الإقليم؟ فمكانهم محفوظ… في الصفوف الخلفية، للتصفيق فقط.

في الجهة الأخرى من الحلبة، تقاتل أحزاب الصف الثاني بأسلحة بدائية في معركة غير متكافئة. تعبئة، إنفاق، استمالة، وطرق أبواب لا تُفتح إلا بشق الأنفس، في سباق يبدو أن نتائجه كُتبت قبل أن يُطلق حكم الديمقراطية صافرته. إنها ديمقراطية بسرعتين: واحدة مريحة ومكيفة، وأخرى متعبة تسير على الأقدام.

لكن، وسط هذا العبث المنظم، يظل الرهان الحقيقي معلقاً على الناخب. إلى متى سيبقى التصويت وفاءً للرمز لا للشخص؟ ومتى تتحول الورقة من مجرد طقس انتخابي إلى أداة محاسبة حقيقية؟ لأن الخلل، مهما كان فادحاً في الأعلى، يجد دائماً من يغذيه في الأسفل.

سطات اليوم لا تحتاج إلى “نجوم عابرة” ولا إلى وجوه موسمية تظهر مع أول ملصق وتختفي مع آخر صوت. تحتاج إلى من يعرف طرقها قبل منصاتها، ومن يسمع نبضها قبل التصفيق له، ومن يبقى بعد الفوز كما كان قبله. تحتاج  نخب تنتمي إليها، كوادر تشعر بنبضها، وتحمل همومها من الأزقة إلى قبة البرلمان بتنسيق مع مسؤوليها، لا أن تختفي بمجرد إعلان النتائج وتعود بعد خمس سنوات بنفس الابتسامة ونفس الوعود.

هي لحظة وعي… أو لنقل، آخر نداء قبل أن تتحول سطات إلى مجرد رقم انتخابي في دفاتر الأحزاب الكبرى. فإما أن يستعيد الناخب زمام المبادرة، أو يواصل أداء دور المتفرج. إنها لحظة فاصلة: إما أن يستفيق الناخب ويعيد رسم قواعد اللعبة، أو يواصل أداء دور الكومبارس في مسرحية مكررة عنوانها العريض:”مبروك… لقد فاز المرشح، قبل أن تبدأ الحملة!”