حين تتحوّل الوفرة المائية من خطر إلى امتحان للدولة.. المغرب من ذاكرة الفواجع إلى هندسة النجاة

حين تتحوّل الوفرة المائية من خطر إلى امتحان للدولة.. المغرب من ذاكرة الفواجع إلى هندسة النجاة

لم تعد الفيضانات في المغرب مجرد حوادث مناخية عابرة تُسجَّل في دفاتر الذاكرة ثم تُطوى، بل تحوّلت، بفعل التحولات المناخية المتسارعة، إلى اختبار حقيقي لقدرة الدولة والمجتمع على التكيّف مع مفارقة قاسية: سنوات جفاف حاد تتبعها فترات مطيرة استثنائية، تملأ السدود إلى مستويات قياسية وتضع المدن والقرى أمام مخاطر داهمة. من فيضانات منتصف القرن الماضي، مرورًا بمآسي واد أكاي وصفرو وملوية وأوريكا، وصولًا إلى سهل الغرب سنة 2009، تشكّلت ذاكرة جماعية مثقلة بالخسائر البشرية والمادية، حين كانت السيول تجرف البيوت وتخطف الأرواح دون سابق إنذار.

غير أن المقارنة بين الأمس واليوم تكشف تحوّلًا عميقًا في فلسفة تدبير المخاطر المناخية. فقد استوعبت الدولة المغربية، بمختلف مؤسساتها، دروس الماضي القاسي، وانتقلت من منطق ردّ الفعل إلى منطق الاستباق. استراتيجيات لتدبير الندرة المائية عبر تحلية مياه البحر وربط الأحواض والسدود، وأخرى لمواجهة الوفرة المفاجئة عبر خطط وقائية دقيقة، كما هو الحال اليوم في شمال المملكة. في القصر الكبير والعرائش والقنيطرة وسيدي سليمان وطنجة، لم يكن المشهد ارتجاليًا، بل عنوانه تعبئة شاملة: إجلاء وقائي للساكنة، تدخلات ميدانية منسقة شارك فيها الجيش والدرك والوقاية المدنية والقوات المساعدة والسلطات المحلية، مدعومة بنسيج جمعوي انخرط في الإغاثة ونصب الخيام، إلى جانب عمليات تفريغ مدروس للسدود لتفادي سيناريوهات أكثر كارثية.

هذا الاستنفار الواسع لم يقتصر على الميدان، بل وجد صداه في الفضاء الرقمي، حيث عبّر المواطنون عن تضامنهم مع المتضررين، وتحوّلت شبكات التواصل الاجتماعي إلى منصات تعبئة إنسانية، في مشهد يعكس وعيًا جماعيًا متقدمًا بخطورة الظرف وحجم المسؤولية المشتركة.

بين الأمس والحاضر، يبرز المغرب اليوم كحالة لافتة في تدبير المخاطر المناخية، ليس فقط بفضل الإمكانيات المسخّرة، بل بحسن توظيفها في الزمن الحاسم. إجلاء مدن وأحياء في وقت قياسي، دون تسجيل خسائر في الأرواح أو ارتباك في العمليات، يضع التجربة المغربية في مصاف النماذج التي تُدرَس، خاصة إذا ما قورنت بتعثّر دول ذات إمكانيات متقدمة وهي تواجه فيضانات مماثلة. إنها رسالة واضحة: حين تتحول الذاكرة إلى سياسة، والتجربة إلى تخطيط، يصبح الخطر امتحانًا للجاهزية لا قدرًا محتومًا.