في عيد ميلادي.. أطفئ شمعة وأشعل قلقًا على مستقبل سطات

في عيد ميلادي.. أطفئ شمعة وأشعل قلقًا على مستقبل سطات

أخلد اليوم عيد ميلادي. مناسبة يُفترض أن تُوزَّع فيها التهاني، وتُنفخ الشموع، وتُستعاد الذكريات الجميلة. وأنا، كغيري من أبناء سطات، لا أعاني خصاصًا في الذكريات؛ فقد عشت بين مزارعها “العراصي” وأزقتها ما يكفي من الفرح العفوي، والطمأنينة البسيطة، والأحلام الصغيرة التي كانت تكبر معنا دون إذنٍ من أحد. لكن الغريب أن الذاكرة، كلما حاولت أن تبتسم، اصطدمت بواقعٍ يصرّ على التكشير عن أنيابه.

في عيد ميلادي، لا أراجع عدد السنوات التي مرّت، بل أراجع ما تبقّى من مدينةٍ كانت يومًا ما تُشبهنا، قبل أن تُصاب بعطبٍ مزمن اسمه الإهمال، وتدخل غرفة الإنعاش دون طبيب، ودون تشخيص، ودون حتى شهادة وفاة محترمة.

سادتي الكرام؛

هذه ليست مدينة تعاني مشاكل؛ هذه مدينة تتعايش مع الفشل كأنه قدرٌ سماوي، وتُدبّر أعطابها بمنطق “دوز نهارك”. المشاكل تكبر، الوعود تتناسل، والنتيجة واحدة: لا شيء يتغيّر سوى مستوى الصبر المطلوب من الساكنة.

أنا لا أخاف على نفسي. لأني رفقة جيلي تعلّم كيف يتكيّف مع الرداءة، وكيف يخفض سقف أحلامه حتى لا يُصاب بخيبة مزمنة. لكن ماذا عن  “فلذات كبدي” أطفالي؟
بأي حق نطالبهم بالأمل، ونحن نقدّم لهم مدينة لا تكافئ الاجتهاد، ولا تحمي الطموح، ولا تُنتج سوى رغبة واحدة: الرحيل؟

سادتي الكرام؛

أعترف: أني استهلكت نصيبي من اللحظات الجميلة. لعبت، ضحكت، حلمت، وخُدعت مثل جيلي كله. لكن المعضلة الحقيقية لا تسكن عمري، بل تسكن أعمار فلذات كبدي. أطفالٌ يُفترض أن يرثوا مدينةً صالحة للحياة، فإذا بهم يرثون أسئلةً معلّقة، ومستقبلًا مبنيًا للمجهول، ومدينةً تجرّ نفسها جَرًّا نحو الخلف، بينما مسؤولوها يتقنون فن التفرّج الأمامي.

كيف لي أن أحتفل بعيد ميلادي، وأنا أُدرّب نفسي يوميًا على طمأنة أطفالي بأن الغد سيكون أفضل، في مدينةٍ بات الأمل فيها عملة نادرة، والطموح فيها يُصنَّف ضمن السلع الممنوعة؟ إذ كيف أُطفئ شمعة العمر، ولا أرى من يطفئ حرائق العبث، وسياسات سنوات الضياع،

سادتي الكرام؛

في عيد ميلادي، أمارس أصعب دور على الإطلاق: أبٌ يُجمّل الواقع لأطفاله، وهو يعرف في قرارة نفسه أن المستقبل هنا مكتوب بقلم رصاص، قابل للمحو في أي لحظة، وموقّع باسم “غير معروف”.

في عيد ميلادي، لا أطلب هدية. كل ما أريده هو مدينة لا تجعل الآباء يعتذرون لأبنائهم لأنهم وُلدوا فيها. مدينة لا تُربّي أبناءها على الهروب، ولا تُقنعهم مبكرًا بأن النجاة فردية، وأن الجماعة مجرّد ذكرى قديمة من كتب التربية الوطنية.

عيد ميلاد سعيد؟

ربما…لكن فقط إذا قررت سطات أن تحتفل هي أيضًا، بالعودة إلى الحياة.