مشاريع تٌقَدَّم لساكنة سطات في قالب وبعدها يطير كل شيء ويبقى القالب منصوبا
هناك مقولة ساخرة منسوبة للمرحوم “العربي باطمة” لست متأكدا من دقتها، لكنها تفسر الكثير، يقال بأن “باطمة” في إحدى جلساته الغيوانية قال لمجالسيه “غنينا ليهم باش يفهمونا .. ساعا هزو البنادر وتبعونا”، والحقيقة ورغم أن منسوب الكوميديا السوداء في هذه المقولة مرتفع كثيرا إلا أني وجدت نفسي أتأمل الواقع الذي نذرت نفسي رفقة طاقم الجريدة لتعريته، معقول أن تكون كتاباتنا مادة دسمة إلى هذه الدرجة للركوب عليها بغية الوصول إلى “الحولي”؟ قطعا لسنا راضون عن الأمر وفي كل مرة نكتب لفضح اختلالات داخل مرفق عمومي فإننا نستحضر دورنا كصحافة مواطنة اخترنا “القرب” منهجا، وتسلحنا بحسن النية وبكل قيم الوفاء والحب لهذه الرقعة الجغرافية العزيزة على قلوبنا.
مناسبة هذا الحديث ما فجره “سكوب ماروك” بمهنية ومسؤولية من ملفات كانت تعتبر إلى حدود الأمس “علبة سوداء”، آخرها المشروع الخاص الذي يزعم أنه بميزانية تقارب 184 مليار والله أعلم..، لم نقل أكثر مما يقال في هذا الموضوع إيمانا منا بالمقولة “لكل مقام مقال”، وازعنا كان لفث الانتباه فقط للجلبة التي صاحبت طريقة انجاز المشروع وتداعياتها على البلاد والعباد.
عمودي لهذا الأسبوع الذي يأتي يومين بعد مناسبة عيد الأضحى المبارك، وشاح على صدور علماء وأدباء ومثقفي ورياضيي ومبدعي عروس الشاوية، الذين كتب عليهم العيش في الهامش، أكتب إليكم وإن لم يحصل لي شرف معرفتكم أو مجالستكم، لأني مؤمن كل الإيمان أن “الإنجازات تتكلم عن أصحابها”، وعلى ذكر الإنجازات التي سرعان ما تتحول إلى خيبات رافقتنا منذ الصغر، بعدما تحولت مدينتي إلى صنبور للأموال لإغناء مسؤولين على وشك التقاعد، أو مصدرا لانجاز مشاريعهم الخاصة في نهاية مسارهم الوظيفي، فكم راودتني عدد من الأسئلة من قبيل: أين ذلك المشروع الكبير الذي رأينا تصميمه واطلعنا على تفاصيله، أين تلك الاستراتيجية وذاك المخطط الذي بشرونا بجدواه وقدرته على تحقيق نهضة اقتصادية تجعل مدينة سطات تقفز آلاف الخطوات بعد سبات وانتظار، كل تلك التصاميم وتلك الدراسات وتلك الشروحات والمعلومات والأرقام، تحولت إلى أضغاث أحلام، وها نحن اليوم نرى عددا من المسؤولين على اختلاف مواقعهم ورتبهم يبررون مشروعا آخر كأنه “المهدي المنتظر”، وكفى الله المؤمنين القتال، ناطحات سحاب بدون هندسة جمالية، أقرب ما يكون إلى سجون أمريكا اللاتينية أو جنوب شرق آسيا بدون بنية تحتية لشبكة التطهير، ما يجعلها أشبه إلى حد كبير بما تجود به مؤخرة بعض المسؤولين بعد تناولهم لقضبان شواء من لحوم صردي سطات بقرون تفراوتية، وما دون ذلك فمؤجل إلى أجل آخر وربما سيتأجل بدون رجعة بعد مرور شهر شتنبر القادم، والنتيجة انتظار جديد بعدما يتحول المشروع إلى جسد بدون روح.
إنها المرارة التي أحس بها على غرار ساكنة المدينة التي تحمل ذاكرة قوية، مرارة وغبن ذكرتنا بعدد المرات التي أصبنا فيها بخيبة الأمل في مشاريع قيل أنها تنموية عملاقة منها من توقف في منتصف الطريق وبقي أطلالا ومأوى للمشردين كالمسرح البلدي، وأخرى صُرفت عليها الملايين والملايير وضاعت وسط الطريق (46 مشروع تم توجيهه لوزارة الداخلية من طرف الوالي السابق محمد مفكر)، وأخرى تم تقزيمها بإصرار غريب كمشروع “أسواق الشاوية” الذي تم تقديمه كأنه الفانوس السحري المنقذ لسنوات عجاف من العطالة، لكن مرت الأيام والأسابيع والشهور والسنوات ولا شيء تغير خلف ألواح القصدير المحيطة به قرب الإقامة العاملية، اللهم بعض الصدأ الذي بدأ ينثر وقعه في محيط المكان، ولا من تحرك أو ندد أو حتى ردد “اللهم إن هذا لمنكر”، اللهم بعض المنابر الصحفية التي حاولت إنارة شمعة في عتمة الظلام قبل أن تتذوق هي الأخرى لذة كعكة المال العمومي في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية لتتحول هي الأخرى إلى بوق لمشاريع خاوية على عروشها. فهل يستحق مسؤولونا مواطنين بكل هذا الخنوع واللامبالاة؟
صدقوني يا سادتي، إنها حالة من الترقب، من الجمود ومن الانتظارية القاتلة تعيشها كل دواليب الحياة التنموية بمدينة سطات، فأبناء الشاوية وسطات بالخصوص كانوا ينتظرون من ساستهم ومن مسؤولي مؤسساتهم أن “يخوضوا معركة تنموية” من أجل حق منطقتهم ومن أجل تنفيذ الالتزامات الحكومية بهذه المنطقة، لكن هل كان وقت مسؤولينا الهلاميين يسمح؟ بل هل الأمر في الأساس يشكل أولوية في رزنامتهم الزمنية؟
ليعذرنا خنوعنا لتقليب المواجع على مسؤولينا المبهرين والنبش في انجازاتهم، فلا شيء أنجز ولا شيء تحقق اللهم أعمال بروتوكولية لحسابات جوفاء ترتكز على توزيع استثنائي للمال العام باستهداف مواقع ومحيط الأصوات الانتخابية، وكذا توزيع آخر ميكانيكي لميزانية في مشاريع ولدت معاقة مع احترامي لذوي الاحتياجات الخاصة.
أدوار مسؤولي مدينتنا أكبر من أن تختزل في كونهم بطون تجلس على الكراسي أو مناسبة للالتقاء على أكواب الشاي وقنينات الماء المعدني والحلوى، وتبادل التهاني بتوزيع أكباش العيد من سلالة الصردي القادمة من بني مسكين، صدقا مدينتنا اليتيمة أبتليت من حيث لا تدري بمن لم يقدر كونها جوهرة يتيمة و جواد تخلى عنه الفارس..
احتياط مدينة سطات العقاري والبيئي يقسم في سوق “الوزيعة” على بعد أيام من صياغة “تصميم تهيئة” على مقاس التعليمات، وحدها أحلام أخرى يتم الترويج لها وكأنهم بها يصرفوننا عن هكذا ضربات تحت الحزام، لم تتحرك الأحزاب اليسارية واليمينية والوسطى، لم نسمع تنديدا من مركزيات نقابية وجمعيات مدنية ولا هيئات حقوقية، لم نقرأ مواكبة صحفية رزينة تطالب بالافتحاص وربط المسؤولية بالمحاسبة.
أنا ومعي حاضر ومستقبل هذه المدينة، وكل ذوي النوايا الحسنة، وكل من يحلم بغد أفضل، وكل من يؤمن بأنه مواطن داخل هذا الوطن، لن نساوم ولن نسكت عن قول كلمة الحق ولو على رقابنا، ولن نسمح باستعمال منبرنا الصحفي مطية من أجل “فلورتاج المتعة” مع القائمين على الشأن التنموي بالمدينة، فإذا كان وزير الفلاحة يقول إن الخروف يصل ثمنه 800 درهم، فإنه بمدينة سطات نزل سعره إلى مستويات قياسية وصلت 500 درهم فقط بمناسبة “العيد الكبير”.
أما حلمنا والوعد المقدم إلينا بتحويل سطات إلى توأمة لمدينة الفجيرة بالإمارات وجعل مدخلها الشمالي يشبه المدن السويسرية وكذا توأمتها مع مدينة الجديدة، فذلك أمر مؤجل إلى أن يتحرك الجميع، بداية من الإدارة الترابية والبرلمانيين والمنتخبين والمجتمع المدني والفعاليات الصحفية وصولا إلى المجلس الحضري والإقليمي من خلال دورات استثنائية تكون نقطة جدول أعمالها الوحيدة، دراسة ومناقشة أسباب تبخيس مطالب المدينة المستعجلة، وكذا النظر في طُرق الرد على هذا التعامل الفج مع هذه المطالب التي تٌقَدَّم للساكنة في قالب، وبعدها يطير كل شيء ويبقى القالب منصوبا لكل من يحمل في نفسه شيء من حب مدينة سطات الضائعة.


