الحكومة المغربية وإشكالية الاصلاح الضريبي

الحكومة المغربية وإشكالية الاصلاح الضريبي

مع الإقرار بأن الإصلاح الجبائي المغربي أدخل تعديلات هامة على بنية النظام الجبائي القديم، كتوحيد المساطر، وإقرار التصاعدية في الأسعار، وتقليص عدد الضرائب…الخ، إلا أن المشرع الجبائي لم يتمكن –بعد- من وضع فلسفة جبائية متكاملة تخدم الأهداف والمبادئ التي يبشر بها الخطاب السياسي والمتمثلة في محاربة الفقر، 

التقليص من الفوارق الطبقية، وإعادة توزيع الدخول، ومساواة جميع الملزمين أمام القانون، وإقرار سياسة القرب بالتواصل مع الملزمين، وتنامي القطاع الغير المهيكل الذي لا يساهم في تمويل الميزانية، وكثرة الإعفاءات مما يفوت على حزينة الدولة مداخيل مهمة.

 وإذا كان الهدف الأساسي لكل حكومة هو تحقيق التنمية الاقتصادية، والرفاه الاجتماعي لمواطنيها، ومحاربة الفساد، فإن الحكومة الحالية برئاسة السيد عبد الإلاه ابن كيران فتحت أوراشا  للإصلاح الضريبي استجابة للتحديات والتحولات التي يعرفها المغرب، وذلك بهدف إعادة التوازن بين الاقتطاع الضريبي، والمنتوج الداخلي الخام، وعدد المقاولات النشيطة، وتوزيع العبء الجبائي بشكل عادل ومنصف، كما أن مردودية الضريبة على القيمة المضافة تأتي في مجملها من عمليات استيراد مواد الطاقة، والمواد الأكثر استهلاكا، وتبقى غير كافية نظرا لعدم تعميمها على كل القطاعات، زيادة على تنوع الأسعار وأهمية النفقات الجبائية المتمثلة في الإعفاءات والأنظمة الاستثنائية التي بلغت حولي 36 مليار و 310 مليون درهم نهاية سنة 2012، مقابل 32 مليار و 722 مليون درهم سنة 2011، أي بزيادة 11 بالمائة.26

فالبرنامج الحكومي2012-2016 ومن أجل تمويل السياسات العمومية بشكل أكثر نجاعة وفعالية وشفافية وتعزيز الموارد وترشيد النفقات، أعطى الأولوية لتطوير الموارد المالية العمومية عبر إصلاح شامل للمنظومة الضريبية بغرض تحقيق العدالة الضريبية، كما ستعمل الحكومة على ترشيد النفقات عبر اعتماد هيكلة جديدة للميزانية تنبني على محاور السياسات العمومية وربط الإنفاق العمومي بالحاجيات الضرورية وتوخي الاقتصاد في الإنفاق وتجنب الإسراف والتبذير، وذلك بهدف تطوير الموارد المالية العمومية عبر إصلاح المنظومة الضريبية بغرض تحقيق العدالة الضريبية، وذلك بالرفع من مردودية النظام الضريبي عبر توسيع الوعاء، وتحسين أداء الإدارة الضريبية، وبناء علاقات الثقة بين الملزم والإدارة الضريبية، كما سيشمل هذا الإصلاح التقليص المتدرج للاستثناءات والإعفاءات الضريبية باستثناء تلك الهادفة إلى تشجيع الاستثمار المنتج وتوخي العدالة الاجتماعية، وكذا تقوية مجهودات الدولة في محاربة الغش والتملص الضريبي من خلال تعزيز الموارد البشرية وتطوير نظام المراقبة مع توسيع الوعاء وتخفيض العبء الجبائي، وفتح نقاش حول إعفاء القطاع الفلاحي من الضريبة بما يضمن العدالة الجبائية واستمرارية استفادة صغار الفلاحين من هذا الإعفاء.

ويعد قانون المالية لسنة 2013 أول احتكاك حقيقي للحكومة الجديدة في التشريع برئاسة السيد عبد الالاه ابن كيران الفائز بانتخابات نونبر 2011، و قد تم إحداث مساهمة وضرائب جديدة، بدل ضريبة الثروة خوفا من تهريب الثروات نحو الخارج ، وتم إرجاءها إلى حين دراسة آثارها من خلال نقاش عام مع كل شرائح المجتمع، لتقييم مدى الرضا والقبول، دون المس ببعض الثوابت. وأوضح رئيس الحكومة أنه لا يفكر في تضريب الناس على الثروات، بالنظر إلى أن أصحاب هذه الثروات ينشّطون الاقتصاد الوطني ويقومون بأدوار مهمة، وهذا أكبر امتياز،وشدد ابن كيران: "نحن لسنا ضد الضريبة على الثروة من منطلق إيديولوجي ولكننا نتوخى مصلحة البلد"،

واعتبرالفريق النيابي للاتحاد الاشتراكي المعارض بمجلس النواب تراجع الأغلبية عن فرض الضريبة على الثروة التي تم إقرارها بمجلس المستشارين خلال مناقشة لمشروع قانون المالية تضرب بقوة العدالة الضريبية ، واحتج الفريق النيابي للاتحاد الاشتراكي بمجلس النواب على إلغاء الأغلبية التي يقودها حزب العدالة والتنمية، للمقترح التعديلي على مشروع قانون المالية، إذ اتهمت المعارضة الاتحادية الفريق الحكومي بالدفع في اتجاه التراجع عن فرض الضريبة على الأغنياء، والامتناع خلال جلسة القراءة الثانية عن تضريب الثروة التي يستفيدون منها، وألغت الأغلبية الضريبة على الثروة بعد أ ن أقرتها لجنة المالية بمجلس المستشارين، وذلك بغرض إحداث ضريبة تضامنية يساهم فيها الأشخاص على ثرواتهم الشخصية، تحتسب وفق سقف محدد، تتوزع بين ثروة مابين عشرة ملايين درهم واقل من ثلاثين مليون درهم، حددت الضريبة عليها في 1 بالمائة، وثروة من ثلاثين مليون درهم إلى اقل من خمسين مليون درهم في 1.5 في المائة، أما ثروة من خمسين مليونا فما فوق فان سقف الضريبة يصل إلى 2.5 في المائة. واعتبر المقترح التعديلي الذي تقدم به الفريق الفدرالي بمجلس المستشارين، أن الضريبة تروم مساهمة الأغنياء بشكل تضامني في جهود التنمية، في حين رفضت الحكومة هذا التعديل بدعوى صعوبة تطبيقه ومخاوف تنامي ظاهرة تهريب الأموال.

ونتيجة التحولات السياسية والاقتصادية التي يعرفها المغرب، ومن أجل تبادل الآراء ورسم خارطة الإجراءات لإعطاء دفعة جديدة للنظام الجبائي،  نظمت وزارة الاقتصاد والمالية المناظرة الوطنية الثانية حول الجبايات بالمغرب يومي 29و30 ابريل2013 ولفت رئيس الحكومة، خلال هذه المناظرة الوطنية التي نظمتها وزارة المالية، إلى أن تحقيق العدالة الضريبية لن يتم إلا من خلال توسيع الوعاء، وتحسين أداء الإدارة الضريبية، وبناء علاقات الثقة بين الملزم والإدارة، والتقليص المتدرج للاستثناءات والإعفاءات الضريبية.