الأستاذ معاذ فاروق يقرأ الفناجين: خارطة سطات السياسية بين وهم التبرير وضرورة الاختيار
في مقالة لافتة اختار لها نبرة هادئة تخفي قلقًا عميقًا، عاد الأستاذ معاذ فاروق، مهندس “طائرة الأمل” بإقليم سطات، ليقلب فنجان السياسة المحلية على مهل، عبر نشرة راقية نشرها على صفحته بموقع فيسبوك، واضعًا الخريطة السياسية للمدينة في مواجهة مباشرة مع صداها في الشارع السطاتي. قراءة لا تطمئن بقدر ما تُحرج، إذ خلص فيها إلى أن سطات، خلال أفق 2025–2026، لم تعد تملك ترف الاحتماء بالأعذار الظرفية ولا تعليق أعطابها التنموية على شماعة الإكراهات الخارجية. فالأرقام الصمّاء، والواقع الحضري الملموس، وطريقة اشتغال القرار المحلي، تلتقي كلها عند خلاصة واحدة: تعثر تنموي بنيوي، ناتج عن نمط معيّن في إنتاج القرار السياسي، لا عن ندرة الموارد ولا عن غياب الإمكانات، ما يجعل السؤال الحقيقي اليوم ليس “ماذا نملك؟” بل “كيف نختار؟”
ولتقريب قراء سكوب ماروك من مقالة الأستاذ معاذ فاروق نضعها رهن أشارتهم طيه :
توقعاتي للخارطة السياسية بمدينة سطات في ضوء المعطيات التنموية لسنتي 2025–2026.
—–
لم يعد ممكنًا، في ظل معطيات 2025–2026، الاستمرار في تبرير تعثر التنمية بمدينة سطات بعوامل ظرفية أو بإكراهات خارجية. فالأرقام، والواقع الحضري، وطريقة اشتغال القرار المحلي، تؤكد أن المدينة تواجه تعثرًا بنيويًا مرتبطًا بنمط محدد في إنتاج القرار السياسي، لا بغياب الموارد.
ومن هذا المنطلق، لم تعد الخارطة السياسية تُفهم من خلال التحالفات أو عدد المقاعد، بقدر ما تُقاس بقدرة الفاعلين على تحويل الميزانية والمؤسسات إلى أثر تنموي ملموس. غير أن قراءة ميزانية جماعة سطات لسنة 2025، التي استمر منطقها نفسه في برمجة 2026، تُظهر أن المدينة تُدار بمنطق التسيير اليومي أكثر مما تُدار بمنطق التحول الحضري، حيث تستحوذ نفقات التسيير على النصيب الأكبر مقابل ضعف واضح في الاستثمار.
ويؤكد الواقع الميداني هذا الاختلال، إذ ما تزال سطات تعاني من ملفات بنيوية مزمنة، مثل غياب محطة طرقية مهيكلة، وضعف النقل الحضري، واختلالات التأهيل الحضري، ومشكل المياه العادمة بالمنطقة الصناعية. ويأتي مشكل الحفر المنتشرة في عدد من الشوارع والأحياء ليجسد هذا التعثر في أبسط تجلياته اليومية؛ فالحفر ليست خللًا تقنيًا عابرًا، بل مؤشر على ضعف التخطيط والصيانة وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتتحول إلى عبء اقتصادي وسلامي يعمّق الإحساس بالإهمال.
ويبرز النقل الحضري، على وجه الخصوص، كمؤشر دال على هذا الفشل. فمدينة جامعية لا توفر نقلًا حضريًا منتظمًا وفعالًا، هي مدينة تُقيد الولوج إلى التعليم والعمل، وتنتج إقصاءً حضريًا صامتًا يظهر في المعاناة اليومية أكثر مما يظهر في الخطاب السياسي.
وبالربط بين هذه المعطيات، يتضح أن الإشكال لا يتعلق بالمشاريع فقط، بل بضعف القدرة الفعلية للمؤسسة المنتخبة على فرض القرار وتتبع تنفيذه. وفي هذا السياق، أصبحتُ شخصيًا أقل رغبة في تتبع دورات المجلس البلدي، ليس بدافع اللامبالاة، بل بسبب غياب فعل سياسي حقيقي داخلها؛ فلا أغلبية تتحمل مسؤولية الاختيارات وتدافع عنها بوضوح، ولا معارضة فاعلة تمارس دورها، ليصدق القول: “الهضرة بزاف والطحين قليل”.
وبناءً على ذلك، يصبح من المشروع مساءلة نموذج الحكامة المحلية أكثر من مساءلة الأشخاص. كما أننا لا نريد نخبة تدبيرية تكتفي بتبرير الإخفاق بالحديث عن “المصالح الخارجية” كلما تعثرت المشاريع؛ فالتدبير العمومي يفترض القدرة على التفاوض وفرض الأولويات وتحمل المسؤولية كاملة، لا تحويل الفشل إلى شماعة دائمة. نخبة تشتكي أكثر مما تقرر، وتبرر أكثر مما تُنجز، لا يمكنها قيادة تحول تنموي حقيقي.
وفي ضوء هذه الوقائع، تبدو الخارطة السياسية لمدينة سطات في أفق 2026 محكومة باحتمالين: إما استمرار نفس النمط التدبيري بكلفته الاجتماعية والاقتصادية، أو بروز تحوّل عميق قد يرقى إلى ثورة سياسية سلمية تفرضها دينامية ارتفاع منسوب الوعي، ويُرتقب أن يكون للشباب دور محوري في قيادتها، عبر المطالبة بالشفافية وربط المسؤولية بالنتائج وتجديد أساليب الفعل السياسي.
وخلاصة القول، إن أزمة سطات ليست أزمة موارد، بل أزمة اختيار. وكل خارطة سياسية لا تنطلق من هذا المعطى ستظل عاجزة عن إحداث التحول المنشود، فيما يستمر فقدان الزمن التنموي بثمن يصعب تعويضه.


