ربورطاج: زيارة ملكية ميمونة محتملة لمدينة سطات تعيد ملف مشروع سوق الفتح بسطات إلى طاولة النقاش
سوق العفاريت أو الفتح أو سوق ماكرو، كلها مسميات لفضاء واحد، متواجد بالقرب من حي البطوار بمدينة سطات، يقصده المواطنون للتبضّع أو عرض السلع، ويعتبر يوم الخميس الأكثر رواجا بالإضافة إلى يومي السبت والأحد، لكونهما يومي عطلة لعدد من المستخدمين في القطاعين العام والخاص، إلا أن إعادة تهيئة هذا السوق أثارت الجدل وأسالت مداد المنابر الصحفية المحلية والوطنية في العديد من المحطات، ما حدا بسكوب ماروك عبر هذا الربورطاج إلى محاولة تسليط الضوء على معظم الجوانب المحيطة بهذا الملف ومحاولة كشف النقاب عن مكامن الخلل آملا في التصحيح وتثمين النقط المضيئة منها، خاصة أن المشروع رغم عدم استيفاء تسوية وضعيته العقارية لحدود كتابة هذه الأسطر إلا أنه تم ترشيحه لنيل شرف التدشين الملكي في الزيارة المباركة لعاهل البلاد إلى مدينة سطات.
فيضانات 2002 تقص شريط الجدل
منذ ترحيل تجار سوق "العفاريت" المعروف حاليا بسوق "الفتح" الذي كان موقعه الأصلي فوق سرير واد بوموسى بالزقاق الخلفي لزنقة سيدي لغنيمي (زنقة خالد) سنة 2002 نتيجة الفيضانات التي جرفت سلع مجموعة من التجار بسبب السيول المتدفقة من ضفاف الواد الذي اختار دق ناقوس الخطر بكونه لا يمكن البناء فوق سرير الواد أو بمحيطه لأن الحتمية الطبيعية تتجدد والمياه المتدفقة للواد تعود لمجراها الطبيعي، ليتم نقل التجار صوب أحد الحدائق بجوار حي البطوار التي كانت تعرف تواجد مجموعة من الأشجار والأعشاب قبل أن يتم اجتثاث جزء منه لخلق مساحة كفيلة باستيعاب مئات الباعة والتجار المرحلين قصريا صوب هذا المكان الذي لم يسلم هو الآخر من وطأة ووقع نفس الفيضانات.
في الليلة الظلماء يغيب البدر
توالت السنوات والتجار يعانون من وعود المجالس المتعاقبة على تدبير الشأن المحلي بالمدينة بإخراج مشروع بناء السوق إلى حيز الوجود، ففي سنة 2006 تفاجأ التجار بأن الوعاء العقاري الذي يوجد عليه السوق (ملك خاص) ومخصص في نفس الوقت حسب تصميم التهيئة آنذاك لإحداث منطقة خضراء، وتمت مراسلة الجهات المعنية من المجلس الجماعي للحرص على تحويل المنطقة الخضراء إلى منطقة تجارية، وأثناء ذلك استطاع المجلس البلدي إيجاد صيغة توافقية مع الملاكين الخواص لاقتناء جزء من الوعاء العقاري.
لم تمضي إلا يضع سنوات بعدما حل المشكل الأول ليتنفس التجار الصعداء، ليعرف السوق عرف اندلاع حرائق عدة استدعت تدخلات عناصر الوقاية المدنية لإخمادها؛ وهو ما جعل التجار ينتظمون في جمعيات للدفاع عن حقهم في الاستفادة من محلات مؤمنة، وفق دفتر تحملات مضبوط بينهم وبين مدبري المدينة في إطار مشروع تنموي متكامل ومستوفي لكل الشروط القانونية.
بداية التسوية من مجلس بلدي قديم جديد
تولى المصطفى الثانوي رئاسة المجلس البلدي سنة 2009 وهو الذي يشغل نائب رئيس المجلس الحالي "عزيزي"، حيث قام بمجهودات لتحويل المنطقة التي يوجد فوقها السوق من منطقة خضراء إلى منطقة تجارية، كما سهر على محاولة إيجاد حل سوي مع أصحاب العقار المتواجد فوقه سوق الفتح المسمى عرصة مردوخ ، خاصة بعدما تقدموا للقضاء بدعوى قضائية تطالب بتعويضات عن مدة الاستغلال لوعائهم، ليدخل "الثانوي" في تفاوض مع أصحاب العقار الذين حكمت لهم المحكمة بتعويض مهم، وبإصرار كبير استطاع أن يقنعهم ببيع الأرض بثمن التعويض الذي حكمت به المحكمة، و هكذا تم تحرير جزء من العقار لصالح الجماعة وصل حوالي ثلثي العقار، تعبيدا للطريق أمام المجلس البلدي اللاحق لإخراج المشروع لحيز الوجود.
في سياق متصل، تمت برمجة نقطة اقتناء العقار المذكور بجدول أعمال المجلس خلال الدورة العادية لفبراير 2013، لتدخل الجماعة في سلسلة من التنسيقات لإيجاد تمويل البناء أو بحثا عن مستثمرين لبناء السوق، ليرسوا القرار على صيغتين لتنفيذ إما أن تخصص وزارة الداخلية اعتمادا لفائدة هذا المشروع، أو مساندة المجلس في الحصول على قرض من صندوق التنمية الجماعية (الفيك) بناء على الكلفة الإجمالية التي تم إعدادها من طرف مكتب الدراسات الهندسية والبالغة 2.292 مليار أي ما يقارب 30 ألف درهم لكل محل تجاري والتي يبلغ عددها 764 محلا أو باقتراح دخول مستثمرين على الخط.
عزيزي يتربع على هرم التدبير البلدي
أبرز عبد الرحمان عزيزي رئيس المجلس الجماعي الحالي لسطات ونائب الرئيس السابق "الثانوي"، في تصريح لمنبر صحفي أن صفقة تهيئة وبناء مشروع سوق الفتح رست على إحدى الشركات حسب قانون الصفقات العمومية الجاري به العمل، وحدد مبلغ البناء في 9 ملايير ونصف، مشيرا إلى أن الإجراءات الإدارية جارية، وعلى أن الأشغال انطلقت لإنشاء السوق، الذي سيستفيد منه 764 تاجرا، بالإضافة إلى المحلات التي ستقوم ببيعها شركة العمران في إطار الموازنة.
وبخصوص الإشكال المطروح حول الوعاء العقاري، أشار "عزيزي"، إلى أنه بالنسبة للمطلب عدد2778 ت فإن جماعة سطات تملك هكتارين، وسوق الفتح مبني على جزء من هذا المطلب، مضيفا أن "المالكين الآخرين لهم تعرضات كلية وجزئية على هذا المطلب، ولا يمكن لجماعة سطات اقتناء حقوق الناس المشاعة في ظل تعرضات كلية وجزئية إلا بعد تصفية الوعاء العقاري من طرف المالكين على الشياع". وأضاف المتحدث أن هناك مقررا للمجلس بنزع الملكية لإقامة سوق الفتح والمسطرة جارية، وزاد: "سبق تحديد الثمن في هذا الشأن في 850 درهما للمتر المربع، أما بالنسبة للرسم العقاري المشيد فوقه سوق الفتح عدد 19540 س فهو في ملك الجماعة بموجب عقود شراء"، وأوضح أن الجزء المتبقي منه هو في ملك "ميشال أغوستين"، وواجباته انتقلت بموجب ظهير 1973 المتعلق بالأراضي المسترجعة إلى أملاك الدولة.
وبالنسبة للرسم العقاري 756 ت أشار الرئيس إلى أن به مبادلة مع "س.ز"، واستفادت بموجبه الأخيرة بست قطع أرضية بحي قطع الشيخ، وأردف: "البلدية بصدد نقل الملكية إلى جماعة سطات، والجماعة قامت باقتياد احتياطي"، مفيدا بأن الرسم العقاري 5630 س في ملكية الجماعة، أما بالنسبة للرسم العقاري18127 فالجماعة أشارت إلى أن مسطرة نزع الملكية جارية في الموضوع بتحديد الثمن في 850 درهما للمتر المربع.
أوراش مفتوحة لا تتوقف
أشغال السوق اليوم متوقفة إلى إشعار آخر بعد هدم جميع الدكاكين وإعدام عشرات الأشجار في محيط المكان ليتحول الفضاء المحادي لحي البطوار من الجهة الشرقية عبارة عن أرض مستوية كأنها حصيلة زلزال أو نتاج قذيفة حربية، حيث تم إجلاء أصحاب المتاجر إلى المحيط القريب، لتنبت عدة "براريك" كالفطر، أغلقت الممرات والشوارع وشوّهت منظر المكان القريب من القاعة المغطاة والمركب الرياضي للنهضة السطاتية والمركب السياحي البلدي "غرين بارك" راسمة صورة قاتمة عن الموقع، وما زاد الطيلة بلة تحول بروز سوق للمتلاشيات والبضائع المستعملة تجار من الفراشة الذي استعمروا الفضاء المقابل للمركب السياحي البلدي.
يستمر تناسل البراريك كأنه خلية مسرطنة ليتوسع عدد البراريك حتى تجاوز العدد الذي يوافق الاحصائيات التي تتوفر عليها المصالح المعنية، ما يهدد بطرح إشكالية أخرى بعد الانتهاء من أشغال مشروع بناء سوق الفتح وترحيل 764 تاجر إلى مواقعهم، ما سيجعل عددا إضافيا سيخرج للمطالبة هو الآخر بنصيبه من كعكة "مشروع سوق الفتح".
ورثة يحتجون ضد "مافيا العقار"
"س.ز" قالت في تصريح لمنبر صحفي، نيابة عن المحتجين، إن الخطاب الملكي أعطى نفسا وفتح للمحتجين آمالا كبيرة لاسترجاع أراضيهم، ومنها الأرض التي شيّد فوقها سوق "ماكرو" بسطات سابقا، والتي أراد المجلس الجماعي أن يخصصها لإنشاء سوق الفتح الجديد، حيث أكدت المتحدثة أن مجموعة من ورثة القايد المعطي ومن ذوي الحقوق المالكين للرسم العقاري الذي يتواجد فوقه سوق الفتح بسطات، المعروف بـ"ماكرو"، نظموا وقفة احتجاجية في وقت سابق أمام مقر البلدية للمطالبة باسترجاع ممتلكاتهم وأراضيهم، وطالبت بتفكيك ما أسمتها "مافيا العقار"، مع تطبيق القانون.
وأوضحت المتحدثة أن الوعاء العقاري للسوق يضم جزأين، الجزء الأول "مطلب" يعود للقايد الحاج المعطي، وجزء ثان يعود لورثة القايد عبد المجيد، وأكّدت أن الورثة يتوفرون على شهادة لكن بدون نسبة، وأشارت إلى أن الرسم العقاري 19540 س ضمن إرث القايد الحاج المعطي، موضحة أن صفقة عقدت مع بعض الورثة في وقت تم ترك ورثة آخرين، حيث أردفت نفس المتحدثة أنها وجهت طلبا إلى المجلس البلدي للإدلاء بالمرسوم والقانون الذي اعتمده في إنشاء السوق على جزء من أرض الورثة، مؤكدة توفرها على حجج ثابتة لعدة عقارات في سطات، ومعبّرة عن استعدادها للإدلاء بها عند الاقتضاء، ومشيرة إلى أن الملف بين يديّ السلطات القضائية للحسم في كيفية انتزاع عقار ورثة الحاج المعطي بدون سند قانوني.
زيارة ملكية محتملة تعيد سوق الفتح للنقاش
يعيش محيط سوق الفتح منذ حوالي أسبوعين دينامية غير اعتيادية دشنها عامل الإقليم الذي كلف نفسه نهاية الأسبوع المنصرم عناء الخروج من مكتبه المكيف والانتقال إلى حي البطوار وبالضبط سوق الفتح المعروف لدى ساكنة المدينة بسوق "ماكرو" للوقوف على آخر الترتيبات على اعتبار أن مشروع إعادة تهيئة هذا السوق مرشح لنيل شرف التدشين الملكي، دون الحديث عن طلاء بعض واجهات المنازل والدور المهجورة بطريق البطوار، وتشذيب الأشجار وإزالة بعض الأعشاب الضارة من نفس الشارع وإعدام عشرات الأشجار بشكل نهائي دون مقاربة بيئية وترقيع بعض الحفر دون أخرى على مقربة من المركب السياحي البلدي "غرين بارك" المتواجد في محيط المشروع المذكور… فرغم النداءات المتكررة لإعادة الأمور إلى نصابها بالاهتمام بالواقع المرير لطبيعة البنية التحتية في محيط مشروع سوق الفتح من حفر ورداءة إن لم نقل غياب الإنارة العمومية و… و…، لكن لا حياة لمن ننادي.
على سبيل الختم…
من المؤكد أن المواطن السطاتي يعلق آمالا على الزيارات الملكيةالمحتملة لمدينة سطات، فهو يعلم أنه لم يسعفه الحظ مع بعض المسؤولين الذين تعاقبوا على تسيير العديد من مؤسسات مدينته باستثناءات نادرة جدا، كما أنه يعلم علم اليقين أن منتخبيه لا زالوا يتدحرجون في اختيار العبارات لتعليل السنوات العجاف تنمويا التي عاشتها وتعيشها المدينة.
إن سكان مدينة سطات أدركوا مع توالي سماع أخبار الزيارات الملكية أن وحدها هذه الزيارات التي سترفع التهميش عن هذه المدينة، وإذا كانت ساكنة المدينة تثمن كل الزيارات الميمونة للمدينة، فإن زيارة جلالة الملك المحتملة مع نهاية السنة الجارية هذه المرة ليست ككل الزيارات، التي سمعنا بها من قبل باعتبارها تؤرخ وتؤسس لعهد جديد سمته الخطاب الملكي السامي لعيد العرش المؤسس لعهد الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
فهل سننتظر كل يوم أن يقوم الملك بزياراته التفقدية كي تتحرك الآليات والجرافات وأدوات الصباغة (مساحيق التجميل) لتخفي (تجاعيد سوء التدبير) عيوبا لطالما أسالت حبر المنابر الصحفية وبحت بها حناجر المواطنين الداعية لإصلاحات عميقة وجادة تدخل في صلب اهتمامات وواجبات هؤلاء المسؤولين؟ الجواب يعرفه المسؤولون والقائمون على الشأن المحلي دون غيرهم فهل من مجيب غيرهم؟ هل أصبح لزاما أن يمر الملك بمدينتنا كي تتحرك في نفوس المسؤولين قرحة تهيئة الفضاءات وتبليط الأرض وطلاء الجدران والرصيف كي يظهر للملك أن كل شيء على ما يرام، ألم تحن بعد ساعات الجد والعمل دون الخوف من غضبة الملك نصره الله؟



