السحر عند أهل الشاوية.. إقبال على خدمات الفقهة و الحروز وأظافر الفهد وجلد الضبع لدرء شر العين

السحر عند أهل الشاوية.. إقبال على خدمات الفقهة و الحروز وأظافر الفهد وجلد الضبع لدرء شر العين

يحفل تاريخ المغرب المعاصر بالأحداث المتسارعة، التي يفسر بعضها مجموعة من الأوضاع والظواهر السياسية والاقتصادية والاجتماعية الحالية، الأمر الذي يظهر أهمية تأريخها وتوثيقها حينها. «التاريخ يكتبه المنتصرون»، مقولة لا يسلم بها المنطق العلمي، الذي يركز على تحليل المعطيات التاريخية بشكل محايد، والبحث عما يعززها من وثائق وسندات موثوقة. كتاب «الدار البيضاء وقبائل الشاوية»، الذي تم تأليفه خلال الفترة بين 1913 و1914، ونشر في 1915، وثيقة تاريخية مهمة، توثق لفترة حساسة من تاريخ منطقة الشاوية وحاضرتها البيضاء، قلب المغرب ووعاء مختلف التحولات، التي تحكمت في مستقبل المملكة، وعمل علمي صرف، رغم ما شابه من تناقضات، تمت إثارتها من قبل الباحث نور الدين فردي، الذي أعد ترجمة فريدة للكتاب، الصادر عن منشورات «أمل»، يعتبر تجميعا لتقارير، كتبها ضباط الاحتلال وأعضاء البعثة العلمية الفرنسية.

لم تستثن تقارير البعثة العلمية الفرنسية، في نقلها القيادة بباريس حال الناس والبلاد، ظاهرة الأحجبة والسحر، المنتشرة في المغرب آنذاك (1908)، إذ يحمل الأهالي العديد من الأحجبة، معلقة عليهم بحبل من الجلد أو الحرير في سلسلة عقدية، فيما أشارت التقارير إلى أن الساحر يبدو غير واثق في مفعول طلاسمه، إلا أنه يتستر على ذلك لكي لا يضعف تأثيره، فهو في النهاية غير واهم في الحصول على ثقة جمهوره.
والحجاب أو “الحرز”، عبارة عن قطعة صغيرة من الورق، مكتوب عليها آية قرآنية أو عبارات أخرى لها قوة خاصة. ويكتب الحجاب من قبل “الطالب” الذي يتجول في الأسواق، إذ يبني خيمة، تعلوها قصبة على رأسها علم أبيض أو أحمر، يستدل بها على هذا الشخص، الذي يطلع بدور الكاتب العمومي وصانع الأحجبة في الوقت نفسه، ومن هنا جاء اسم “الكتاب”، الذي يعرف من خلاله “الحرز”.
ويكتب “الطالب” في الخيمة بسرعة، موليا وجهه نحو الشرق، طلاسم تحفظ من أذى الجن “الهوايش”، وتشفي من آلام الرأس والإسهال والحمى، فيما لا يذهب بعض الفقهاء “الطلبة”، الذين لهم شهرة واسعة، إلى الأسواق، إذ يستقبلون زبناءهم في منازلهم. ويوضع “الحجاب” في كيس صغير من الجلد أو صفحة فولاذية، وتبعا لاستعماله وتعليمات “الطالب”، يوضع في الجيب أو يعلق بقلادة حول العنق وفي الذراع، أو البطن وعلى الجانب الأيمن من الرأس، ونادرا ما تتم مخالفة هذه التعليمات.
وإضافة إلى الأحجبة التي تكتب فيها الآيات القرآنية، هناك أحجبة من جميع الأنواع، ولتراب قبور بعض الأولياء بركات خاصة، فكل مرابط يشتهر بعلاجه لمرض محدد، وأملا في الشفاء يذهب المرضى إلى القبر، ويدهنون بالتراب المكان المصاب، ويملؤون كيسا يحملونه معهم، يفضل أن يضعوه فوق موضع الألم، وأحيانا يخلطون التراب بالماء ويشربونه، فيما تحفظ أظافر الفهد وجلد الضبع من شر العين، إذ يسود هذا الاعتقاد ببعض القبائل، خصوصا “المذاكرة”.

وتنتشر أعمال السحر بمعناها الحقيقي بين النساء، خصوصا العاهرات، اللائي يلجأن إلى هذه الممارسة لضمان عشق الرجال لهن، أو للانتقام ممن هجرهن، أو إنزال السوء بعشيق امرأة أخرى، إذ تتبع النساء بشكل أعمى تعليمات الساحرة، التي تكون غالبا عجوزا شرسة “عكوزة”. ولاسترجاع الزوج مثلا، تطوف المرأة على سبع عيون مختلفة، تغترف منها ماء، وتحرق لبان جاوة والكزبرة في معجون جديد، يبلل أولا بالماء المذكور، ثم تذهب إلى الحمام لتتطهر وتلبس ملابس بيضاء، قبل التحرك إلى المقبل في منتصف الليل دون أن تردد أي كلمة. وهناك، تخرج جثة إنسان مات البارحة، وتفتح الكفن لتجلس الجثة أمامها، وترفع يدي الميت وتضع على ركبتيه المعجن المليء بالسميد والعسل وماء سبع عيون، وتأخذ يد الميت لتكور بها السميد، الذي يعد في ما بعد وجبة للزوج.