سطات بين مطر الحقيقة وبيان المجاملة.. عندما تفضح الشوارع ما حاول الطابور الخامس تغطيته حول SRM سطات
مباشرة بعد الجلسة الدستورية للمجلس الجماعي لمدينة سطات، والتي خُصصت إحدى نقاط جدول أعمالها لتداعيات أشغال الشركة الجهوية متعددة الخدمات SRM سطات، بدا واضحًا أن النقاش هذه المرة لم يكن عاديا ولا مجاملًا. مداخلات ساخنة، مباشرة، ومحرجة، أفحمت كل محاولات التجميل، وكشفت اختلالات بالجملة في طريقة تدبير أوراش الشركة: حفر دون تراخيص، أشغال دون تنسيق، غياب إعادة الحالة إلى ما كانت عليه، وانقطاعات متكررة للماء والكهرباء أنهكت الساكنة وعرّت هشاشة التدبير.
غير أن ما لم تستسغه إدارة الشركة، ليس حجم الأعطاب، بل جرأة من تجرأ على قولها داخل مؤسسة دستورية. فبدل التعامل مع الانتقادات بروح المسؤولية، وفتح تحقيق جدي أو تقديم توضيحات للرأي العام، اختارت الشركة مسلكًا آخر يتمثل في “القضاء”، عبر مقاضاة عدد من أعضاء المجلس بدعوى “التشهير والسب والقذف”، في خطوة فُهمت على نطاق واسع كرسالة ترهيب لكل من يفكر في رفع الصوت.
خطوة بدت، في ظاهرها، دفاعًا عن السمعة، لكنها في عمقها محاولة مكشوفة لإسكات الأصوات المزعجة وتجريم الرقابة التمثيلية، وكأن المنتخب مطالب بالتصفيق لا بالمحاسبة، وبالتزكية لا بالمساءلة. لكن، وكما يقال، “الميدان لا يكذب”. فبعد أيام قليلة فقط، خرج إلى العلن “ملف شارع الجنرال الكتاني”، الذي تحول إلى شاهد عيان على صحة ما قيل داخل قاعة المجلس، ويفضح زيف رواية الادعاء.
شارع الجنرال الكتاني، الذي تحول إلى عنوان للفضيحة، بعدما انهار أسفلته نتيجة أشغال الشركة نفسها، في مشهد يؤكد أن ما قيل داخل قاعة المجلس لم يكن ادعاءً ولا افتراءً، بل توصيفًا دقيقًا لواقع هشّ. محاضر الاجتماعات مع اللجنة المختلطة، التي ترأستها السلطة الإقليمية والمحلية، كانت واضحة بشأن المعايير التقنية الواجب احترامها، غير أن المقاولات المنجزة اختارت من دفتر التحملات ما يناسبها فقط، تاركة الميدان يفضح النتائج.
النازلة تحولت سريعًا إلى مادة دسمة على شبكات التواصل الاجتماعي، حيث انفجرت موجة غضب عارمة، وخرجت فعاليات جمعوية وإعلامية لكشف المستور، موثقة شوارع تحولت إلى ندوب مفتوحة، وأزقة لم تبرأ حتى بعد “الترميم الترقيعي”. غير أن الصدمة الحقيقية لم تكن في حجم الأعطاب، بل في “البيان المريب” الذي طفا فجأة على السطح، جامعًا بين الاستنكار والتضامن…، لكن ليس مع الساكنة المتضررة، بل مع “مديرة الشركة”.
بيان وقعه رؤساء ومنتخبو جماعات بإقليم سطات، أعلنوا فيه تضامنهم مع المديرة، وشككوا، إن لم نقل اتهموا، منتخبي عاصمة الشاوية والإعلام المحلي والفعاليات الجمعوية بـ”الاستهداف”. هنا انقلبت الأدوار بشكل فجّ: رؤساء جماعات يُفترض أنهم صوت المواطنين، تحولوا بقدرة قادر إلى ناطقين باسم إدارة، بل باسم مديرة بعينها، مانحين صراعًا تدبيريًا غطاءً سياسيًا، قبل أن يختاروا له يافطة سمّوها “تضامنًا واستنكارًا”.
هذا البيان لم يفضح فقط ضعف التمثيل وسوء تقدير الموقف، بل كشف خلطًا خطيرًا بين خدمة الصالح العام وخدمة الأجندات. فمنذ متى أصبح من اختصاص الجماعات الترابية إصدار بلاغات تضامنية مع أشخاص بعينهم؟ وهل يملك رئيس الجماعة أو نوابه، فرادى أو مجتمعين، الصلاحية القانونية لتوقيع مثل هذه البلاغات باسم الجماعة دون الرجوع إلى المجلس التداولي؟
المنطق الديمقراطي والقانون التنظيمي للجماعات الترابية واضحان: أي موقف رسمي باسم الجماعة يستوجب التداول داخل المجلس، إما خلال دورة عادية أو عبر دورة استثنائية، مع إدراج نقطة صريحة، نقاش، تصويت، ومقرر قانوني. أما القفز على هذه المسطرة، فلن تجد له سندًا قانونيًا مهما أُعيدت قراءة مواد القانون.
الأخطر أن استعمال اسم الجماعة وخاتمها الرسمي في بلاغات تضامنية انتقائية، يدخل في خانة “سوء استعمال الصفة، ويستدعي استحضار المادتين 64 و65 لترتيب الجزاءات القانونية اللازمة. لأن التساهل مع هذا السلوك يفتح بابًا خطيرًا لتوظيف المؤسسات المنتخبة في معارك لا علاقة لها بالتنمية ولا بمصالح الساكنة.
وكأن القدر أبى إلا أن يرد بنفسه على البيان “التضامني أو الاستنكاري”. فبعد ساعات فقط، تساقطت زخات مطرية قليلة، أخرجت “بالوعات الصرف الصحي” بقلب شارع الحسن الثاني لتقذف بمياه التساقطات المطرية، مكوّنة بركًا وبحيرات وسط المدينة، كاشفة عيوبًا حاول البيان إخفاءها. مشهد فاضح أكد أن الشهادة التي قُدمت في حق أداء الشركة لم تكن سوى “شهادة مجاملة”، وأن شركة لم تكلف نفسها حتى عناء تنقية البالوعات قبل الفصل المطير، لا يمكن تلميع صورتها ببلاغات بنكهة سياسية.
المفارقة الصارخة أن تدخلات الشركة ظلت انتقائية ومحدودة، خصوصًا في محيط الحرم الجامعي، حيث تزامنت مع زيارات متكررة لعامل الإقليم، فيما تُركت باقي الأحياء تواجه مصيرها مع المطر والوحل والاختناق.
أمام هذا العبث، يصبح تدخل “عامل إقليم سطات”، بصفته ممثلًا للسلطة المركزية وحاميًا للمشروعية، ضرورة لا تقبل التأجيل، للفصل في هذه النازلة، وترتيب المسؤوليات، ووضع حد لهذا الخلط الخطير بين التضامن الشخصي والمسؤولية المؤسساتية، تنزيلًا فعليًا لمبدأ “ربط المسؤولية بالمحاسبة”، قبل أن تتحول شوارع سطات إلى محاضر إدانة مفتوحة لا تحتاج إلى بيانات ولا إلى بلاغات.


