جرائم تتغذى على طفرة التواصل الاجتماعي.. سطاتيون يواجهون العنف الإلكتروني بالصمت في ظل تقاعس الجهات المختصة في تحريك المساطر القانونية

جرائم تتغذى على طفرة التواصل الاجتماعي.. سطاتيون يواجهون العنف الإلكتروني بالصمت في ظل تقاعس الجهات المختصة في تحريك المساطر القانونية

تتناسل صفحات وحسابات فايسبوكية مجهولة التسيير والإدارة بإقليم سطات خاصة وجهة الدار البيضاء سطات والمغرب عامة، تتغذى من التشهير والابتزاز في وجه فعاليات مجتمعية مختلفة (سياسيون، مفكرون، محاميون، مستثمرون، صحفيون، رجالات الدولة في الامن والقضاء والإدارة الترابية…)، حيث أصبح التّشهير الإلكتروني ظاهرةً جامحة لا تكاد تقتصر على فئة معينة من المجتمع، فكل يوم تظهر صفحة او حساب فايسبوكي بأسماء مستعارة وتارة واضحة المعالم “ف”، “ف.ك”، “س.م”، إ.ب”، لتنطلق في ترويج محتواها التافه للنيل من فعاليات في إطار تصفية الحسابات أو بإيعاز من آخرين، حيث حركت العديد من الفعاليات الاستثمارية والمدنية والصحفية والجمعوية شكايات إلى النيابة العامة بسطات يتوفر سكوب ماروك على نسخ منها، في مواجهة عدد من الصفحات والحسابات الوهمية المتخصصة في التشهير والابتزاز،  إلا أن إغلاق هذه المنصات الإلكترونية وحجب محتواها والدفع بمقترفيها للعقاب القانوني لا زال وقف التنفيذ لأسباب لا زالت مجهولة، بل امتد هذا النزيف إلى معظم المنابر الصحفية التي التزمت الصمت حيال هذه الظاهرة الشاذة دون دق ناقوس خطرها القادم، خوفا من أن تطالها يد التشهير والابتزاز، لكن سكوب ماروك قرر نفض الغبار على هذه الجرائم التي تتغذى على طفرة التواصل الاجتماعي لعل ما تبقى من ضمير الجهات المعنية المختصة يستيقظ لتحريك المساطر القانونية في وجه المشتبه فيهم سواء داخل المغرب أو خارجه، قصد بثر هذه الجرائم في مهدها قبل أن يتم التطبيع معها وتتحول إلى نموذج يحتدى به لظهور صفحات وحسابات فايسبوكية أخرى متخصصة في التشهير والابتزاز.

تزايدٌ مؤسف يظهر جليّا من خلال مضمون ما يتم نشره من فضائح بأسلوب رخيص على مواقع التواصل الاجتماعي باختلاف أنواعها، علما أن التغريدات في معظمها إن لم نقل كلها تتغذى من الإشاعة والاخبار الكاذبة مصدرا لها، حتى أنها لا تمت للواقع بصلة نتيجة اعتماد مسيري هذه الحسابات على الأخبار المتوصل بها ، التي تكون في معظمها مغلوطة ومخدومة لخدمة أجندة أشخاص لتصفية الحسابات فقط، بل منها ما لا يمكن تصنيفه إلا في نشر وتوزيع التظليل والبهتان قصد ابتزاز المستهدفين منها، لكن ما يزيد الطين بلة هو الإقبال الكثير على هذه التفاهات بمشاهدتها أو دعمها بالإعجاب والمشاركة، وذلك في تنافٍ تام مع القيم الإسلامية النبيلة، ففي كل مرة نجد على مواقع التواصل الاجتماعي ضحايا جدد من فئات اجتماعية وأعمار مختلفة، بل إن الموتى أنفسهم لم يسلموا من التّشهير، طمعا في جلب أكبر عدد من المشاهدات ونقرات الإعجاب، وذلك باعتماد عناوين مثيرة تشد انتباه وفضول المتصفح.

يتخذ التشهير عدة وسائل وطرق أكثرها شيوعا الصّور وتذييلها بتعليقات رعناء، والتي قد تكون مجرد إشاعات أو أخبار لا تمت للحقيقة بصلة، وذلك بهدف الانتقام أو الإساءة إلى السّمعة أو السّخرية أو الابتزاز أو إقصاء أحد الخصوم، كما يحدث مثلا في السّياسة، أو ضربِ سمعة أحد الشركات المنافسة في السّوق، فالتشهير لا يمس الأفراد العاديين فقط، بل يستهدف أيضا المسؤولين والشخصيات العمومية ومؤسسات الدولة والشركات والعلامات التّجارية على سبيل المثال لا الحصر. وهو ما جعل من مواقع التّواصل الاجتماعي فضاءً واسعا للانتقام وتصفية الحسابات، مما أفقد هذه الأخيرة مصداقيتها وغايتها الرئيسية بالرغم من مزاياها وفوائدها العديدة على الجميع.

إلا أن البعض من مدبري هذه الصفحات والحسابات الفايسبوكية المتخصصة في التشهير والابتزاز، يعتبرون أن الإنترنت فضاء لفضح الخروقات وإيصال صوت وذلك عملا بالمقولة الشهيرة الغاية تُبرِّر الوسيلة، لكن متى كان نُبْلُ الغاية يُغني عن مشروعية الوسيلة؟ إن الحق في حرية التعبير والحصول على الخبر والمعلومة لا يتنافى والحق في الحياة الخاصة للأفراد، فهناك توازن بين الحقوق والحريات. فمن حق المواطنين حصولهم على المعلومة وانتقادِهِمُ ومحاسبتهِمُ الشخصيات العامة التي لها دور في خدمة المجتمع، ولكن دون اللّجوء إلى التشهير بهم. فلا يعرض أحد لتدخل تعسفي في حياته الخاصة أو أسرته أو مسكنه أو مراسلاته أو لحملات على شرفه وسمعته، ولكل شخص الحق في حماية القانون من مثل هذا التدخل أو تلك الحملات كما هو منصوص عليه في المادة 12 من ميثاق حقوق الإنسان، لأن التشهير هو حكم مسبق بدون محاكمة عادلة، فالاتهام بارتكاب جُرم أو مخالفة لا يُسقط عن المُشهَّرِ به قرينة البراءة، فكل شخص متهم بجريمة يعتبر بريئاً إلى أن تثبت إدانته قانوناً بمحاكمة علنية تُؤمَّن له فيها الضمانات الضرورية للدفاع عنه كما جاء في المادة 11 من الميثاق نفسه.

في ذات السياق، تقول زاهية عمومو، المحامية بهيئة الدار البيضاء، إن القانون 103.13 المتعلق بمناهضة العنف ضد النساء، يتضمن ثلاث نصوص تعاقب على أفعال العنف الرقمي منها الفصل 1-447 الذي يعاقب بالحبس من 6 شهور إلى ثلاث سنوات سجنا، كل من قام عمدا وبأي وسيلة بما في ذلك الأنظمة المعلوماتية، بالتقاط أو تسجيل أو بث أو توزيع أقوال أو معلومات صادرة بشكل خاص أو سري، دون موافقة صاحبها.. وتضيف المحامية في تصريح لأحد المنابر الصحفية أن العقوبة ترتفع وفق الفصل 448 من قانون محاربة العنف ضد النساء، من سنة واحدة إلى ثلاث سنوات، كل من قام بأي وسيلة بما في ذلك الأنظمة المعلوماتية، ببث أو توزيع تركيبة مكونة من أقوال شخص أو صورته، دون موافقته أو دون الإشارة إلى كون هذه التركيبة مفبركة وغير حقيقة، أو قام ببث أو توزيع ادعاءات أو وقائع كاذبة، بقصد المس بالحياة الخاصة للأشخاص أو التشهير بهم.

وهنا يبقى السؤال مطروحا، هل العقوبات القانونية زاجرة؟ وهل القانون في حد ذاته كافٍ لردع الجريمة؟ وإلا فلماذا تَعرف هذه الأخيرة تزايدا بالرغم من هذه العقوبات القانونية؟ وهل يجب معاقبة المجرم أم الجريمة في حد ذاتها؟ وما رأي الجهات المختصة من مصالح امنية متخصصة في الجريمة الإلكترونية ومعها النيابة العامة لتحريك المساطر القانونية في مواجهة مقترفي هذه الجرائم على الانترنيت؟

إن التكنولوجيا الحديثة عَرّت أسوأ ما في أنفس بعض التافهين من سلوكيات متناقضة. تناقضات بين انتمائهم للإسلام وغيابه في أخلاقهم من خلال سلوكيات لا يستطيع بعض فاعلوها ممارستها علنا، ولكن خِلسة خلف شاشات حواسيب وهواتف ذكية، مُعبِّرين من خلالها عن أمراضهم النفسية وعدم وعيهم وعدم تخيلهم لحجم الضرر الذي يتسببون فيه بأفعالهم التي يحرمها الدين ويجرمها القانون وتمقتها الإنسانية الحقة.