سيناريوهات..المصباح حسم الانتخابات ولم يحسم الحكومة.. !!
حطت معركة الانتخابات التشريعية أوزارها، وابتدأت معركة تشكيل الحكومة، وفي انتظارها، هناك إشكالات سياسية كبرى تطرحها النتائج المتحصل عليها بالنسبة لكل الاحزاب، التي عرفت تغييرات كبرى، منها ما كان منتظرا، ومنها ما كان مفاجئا، ويبقى السؤال مطروحا: كيف حدث ما حدث، ولماذا حدث؟ وماهي السيناريوهات الممكنة لتشكيل الحكومة المغربية؟
طبعا كان محسوما منذ البداية أن كلا القطبين المصباح او الجرار سيحسمان في أمر المقاعد بفارق مريح عن المركز الثالث لتكريس القطبية السياسية، فكان الفرضيات إما ان العدالة والتنمية سيتصدر النتائج بحكم عدد قيادييه وشبيبته والمتعاطفين الذين يصوتون له باعتباره تنظيم بنى شعبيته على مرجعية يقال إسلامية والله أعلم ويصعب اجتثاث ذاك التعاطف الهوياتي من قلوب المنقادين وإقناع عقولهم بقناع هذا الحزب الذي كان خلال الولاية المنهية خادما مطيعا للإملاءات الدولية ومتسامحا مع المفسدين ومهربي الأموال اكثر من الإله، أو أن القطب الثاني متمثلا في حزب الأصالة والمعاصرة الذي وظف كل موارده البشرية والمالية للتشويش على الكتلة الناخبة وتقليص شعبية المصباح بهياكل مبعثرة وخطط ارتجالية جعلت من تأثيره محدودا في ظل انعدام قاعدة ناخبة مؤمنة بالحزب بقدر ما هي صوتت بشكل انتقامي من سنوات الكحط التي عاشها المغرب في عهد الحكومة الملتحية.
بعد الاعلان على النتائج المتوقعة والتي يقدر مبتدئ في لعبة "التيرسي" توقع من سيتصدرها على اعتبار انهم يفهمون لغة الخيول فما بالك بلغة….. خرجت وزارت الداخلية لتهنئ المصباح وتوبخ فتيلها بنكيران على اتهامها بالتزوير والتدخل في مجرى الانتخابات. كذلك برأت الداخلية نفسها امام المنتظم الدولي، وحصنت الانتخابات من أي طعن أو تشكيك في نزاهتها.. وختمت العملية الديمقراطية بطابع التوكيد ورضا الجميع.. وهذا دهاء عظيم من الداخلية لأن المصباح لا يملك ان يطعن في انتخابات هو متصدرها.
الآن، فقرات مسرح العرائس "الكراكيز" لم ينتهي، بل انطلقت فصوله للتو، فمن المعلوم أن لا حزب في المغرب مهما حصد من مقاعد بالبرلمان يستطيع تشكيل حكومة لوحده، فالتحالفات فرض ليس بسنة، لهذا اليوم العدالة والتنمية رغم فوزه بفارق مريح يحتاج أن يجد حلفاء لتشكيل حكومة وهو الحاجز الذي سيصعب معه اليوم ترأس الحزب للحكومة القادمة أو وجوده ضمنها. فقد جاء غريمه القطب الثاني من المشهد السياسي في مرتبة الوصافة، ما يعني أن المصباح إن أراد تشكيل حكومة سيضطر إما إلى التحالف معه.. وهو أمر سيحطم ثقة ومعنويات المغاربة، إذن أن الحروب الكلامية والتهم الثقيلة بين الحزبين على مدى الأعوام الفارطة، والتي جعلت بنكيران قائد الإسلاميين يتهم إلياس العماري بالمافيوزي رئيس العصابة وتاجر الحشيش، وجعلت هذا الأخير يتهم بنكيران بالمتطرف الظلامي الإخواني القادم بأجندة زعزعة الاستقرار واختراق النظام والسيطرة على الحكم، لا يمكن أن تنسى بين عشية وضحاها وتوضع على الرف ويطالب المغاربة بقبول تحالف بين الحزبين..
من هذا المنطق، سيكون على العدالة والتنمية إيجاد 5 أحزاب أخرى كحليفة لتشكيل حكومة، وجاء في الترتيب الاستقلال في المرتبة الثالثة ب31 مقعدا، والأحرار ب30 مقعدا، الحركة الشعبية 21، الاتحاد الدستوري 16، الاتحاد الاشتراكي 14، التقدم والاشتراكية 7.. هذا الأخير أي حزب "الشيوعيين" المغاربة صارَ بمثابة "مُلحَقة" لحزب العدالة والتنمية؛ وهو ما لا يروق بعض أنصاره لذلك كان حصاده غير مثمر وتدنت رتبته وعدد مقاعده بشكل مفاجئ، بينما بقية الأحزاب حتى المتحالفة مع العدالة والتنمية في هذه الحكومة المنتهية الصلاحية، مثل الأحرار والحركة الشعبية تعتبر اليوم أحزابا معارضة بحكم تصريحات أمنائها.
خلاصة القول أن العدالة والتنمية فازت وضمنت الداخلية انتخابات نزيهة.. لكن العدالة والتنمية لم تفز وهو ما لمح إليه عبد الإله بنكيران، الأمين العامّ لحزب العدالة والتنمية، حينَ قالَ في مهرجان خطابي بمدينة تارودانت نهاية الأسبوع الماضي إنه سيلجأ إلى الشعب مرة أخرى إذا عجز عن تشكيل الحكومة، وقال بالحرف مخاطبا أنصاره: "حينَ يعيّنني صاحب الجلالة رئيسا للحكومة، ورفض الآخرون التحالف معي، سأرجع إليكم، ليحكمَ الشعب بصفة نهائية".تهديد بنكيران بالعودة إلى الشعب لحسم نتائج الانتخابات، إذا لم يتمكّن من تشكيل أغلبية حكومية، خط احمر فالقرار في هذه الحالة ليس بيد رئيس الحكومة، بل بيَد الملك، الذي عليه أن يبحث عمّن يستطيع تشكيل الحكومة، لأنَّ المصلحة الوطنية تقتضي البحث عن سبُلٍ أخرى لتشكيل أغلبية حكومية، وليسَ تعقيد الأمور وصرف مزيد من الاموال العمومية.
الخيار الثاني عودة الداخلية للشارع لإجراء الانتخابات وهو أمر ممكن، لكن بكواليس أخرى، حيث سترتفع نسبة التصويت وهذه المرة لصالح القطب الثاني حزب الجرار على اعتبار أن الكتلة الناخبة لطالما تدمرت من اجراءات الحكومة شبه الاسلامية وعبرت عن ذلك في اكثر من محطة لكنها رغم ذلك لم تخرج للتصويت، ليكون قرار الحسم بمعطيات جديدة ركيزتها نسبة مرتفعة في التصويت في حين يحتفظ المصباح بعدد مصوتيه.
الخيار الثالث، اللجوء إلى الطعون الانتخابية على اعتبار حدوث خروقات انتخابية جسيمة، في عدد من الدوائر، ذكرتها عدة احزاب، مما قد يدعم حصيلة بعض الأحزاب من المقاعد دون أخرى في حالة تنظيم انتخابات جزئية في العديد من الدوائر، بعد استكمال الأحزاب لتقارير فروعها، حول مرور الانتخابات في مجموع الدوائر، لتحدد موقفها من الطعن، مما قد يعيد رسم الخريطة السياسية للملكة، فهل هل تيبقى الشكايات مجرد طعون قانونية، وبالتالي، فالخروقات المسجلة تبقى عادية، أم سيتم تصعيده الامر إلى مستوى الطعن السياسي، إذا ما ظهرت أن الخروقات استعملت بصفة ممنهجة، للتأثير جذريا على مجرى الانتخابات ونتائجها؟
تجدر الإشارة أنه، من الناحية القانونية، ينصّ الدستور المغربي على أنّ الملك يعيّنُ رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب وعلى أساس نتائجها، وهو ما يُتيح للملك أنْ يعيّن شخصا آخر غيرَ عبد الإله بنكيران رئيسا للحكومة في حالة عدم استطاعته حشد تحالفات لنسج أغلبية مريحة. وإذا لم ينجح هذا الخيار فإن َّ الملكَ قد يلجأ إلى تكليفِ تكنوقراطي بتشكيل الحكومة المقبلة وهو الخيار الأقرب للواقع المغربي.



