ربورطاج: عمليات السماوي بسطات..نصب برضا ومباركة الضحايا ونصابة يطلق عليهم “فهلويو” الفصل 540 من القانون الجنائي

ربورطاج: عمليات السماوي بسطات..نصب برضا ومباركة الضحايا ونصابة يطلق عليهم “فهلويو” الفصل 540 من القانون الجنائي

عكفت "نعيمة" على قطع فضاء حديقة الخزانة البلدية بسطات بخطوات متثاقلة وبين يديها مقرر دراسي تحاول استظهار نصوصه باستماتة، بين الفينة والأخرى تأخذ استراحة قصيرة تم تعود لقطع نفس المسار وعقلها مشتت بين الخوف من امتحان لا يفصلها عنه إلا أيام قليلة، وبين رواسب علاقة عاطفية عنيفة خرجت منها للتو منكسرة وتركت خلفها جروحا غائرة أثرت في سلوكها وتصرفاتها، حتى أن والدتها لا تتردد في التأكيد أمامها على أنها مصابة "بسحر" من طرف عائلة الشخص الذي كانت مرتبطة به ورفضته عائلتها بشكل قاطع.

 لم تكن الحديقة فارغة يومها، فالطلبة متناثرون في كل جوانبها أفراد وجماعاتّ، منهم من ينغمس في الدراسة والبعض ينخرط في أحاديث صاخبة تنتهي بقهقهات تكسر الصمت الذي يخيم على المكان، كانت "نعيمة" والتي لم تكمل السابعة عشر من عمرها في لحظة تركيز قبل أن يستوقفها رجل بجلباب أبيض ولحية مشذبة وأنيقة يبدو أنه في منتصف عقده الرابع، سألها في البداية إن كانت تعرف أين تتواجد مصحة الضمان الاجتماعي، توقفت "نعيمة" وتطلعت إلى وجهه والذي بدا لها في تلك اللحظات بأنه غريب للغاية، لاحظت بأن عيني الشخص مكحلتين تقطران بالجابية، ووجهه دائري ممتلئ فاتح اللون، تاهت في التطلع لوجهه لثوان قبل أن يعاود السؤال على مسامعها، فتلعثمت واستجمعت تركيزها ودلته بكلمات مقتضبة عن العنوان وهي لا تزال تحدق في وجهه، شكرها بأدب تم استدار لكي يغادر، وقبل أن يبتعد بخطوتين استدار حولها، وباغتها بكلمة جعلتها تذوب أكثر في توهانها، "لا أ بنتي كلشي هاذ الشي لي كا تفكري فيه ما منوش" "هاذ الشي لي فقلبك أ بنتي لو كان يتحقق تكوني أميرة هاذ الزمان ولكن خسارة" قال كلماته الأخيرة وهم بالانصراف، لكن "نعيمة" التي كانت لا تزال تحت تأثير الصدمة تبعته، استجمعت قواها وقطعت الخطوتين التي تفصلها عنه بسرعة فائقة واستجدته أن يخبرها المزيد ولماذا بالضبط قال كلماته، بدت على محياه ابتسامة خفيفة زادت المشهد غرائبية، وقبل أن يسترسل في الكلام لاحظت بأنه يركز النظر في نقطة خلفها، التفتت فرأت سيدة تغطي رأسها بوشاح وتضع نظارة كبيرة على عينيها تخفي جزءا كبيرا من وجهها، وبسرعة ناداها فتوقفت السيدة عن السير واقتربت منهم، وأمام ناظري "نعيمة" فتح معها نقاشا حول الحظ وحول المأساة التي تعيشها جراء سجن ابنها لمدة طويلة، وهجر زوجها لها، وأخبرها بأنها في هذه اللحظة تفكر في الانتحار بعد أن وصلت لقناعة بان لا شيئ يستحق أن تعيش من أجله، تم أمسك بيديها وأغمض عينيه، وشرع في قراءة شيئ غير مسموع، كل ذلك و"نعيمة تتابع المشهد ودقات قلبها ترتفع بسرعة فائقة من شدة الانبهار، تم يفتح عينيه، وفي لحظة تشرع السيدة في البكاء و أسارير وجهها تنفتح، تم ترتمي على يديه وقدميه لمحاولة تقبيلها قبل أن يمنعها هو، وبصوت مبحوح تصرخ "الحمد لله الحمد لله كنت كا نحس أنو كانت عندي غصة فقلبي او دابا كا نحس أنها تزالت" الحمد لله الحمد لله"، ظلت تردد هذه اللازمة وهي متشبثة بقوة بالرجل تم عانقت "نعيمة" و هي تتوج إليها بالكلام "شكرا أ بنتي خيركم ما عمرني ما ننساه"، فربت الرجل على كثفها وطلب منها المغادرة وقراءة القرآن بالليل، وبالذهاب الآن وعدم الالتفات إلى الخلف نهائيا حتى وصولها لمنزلها وهو ما فعلته.

ظلت "نعيمة" مشدوهة لما رأته بعينيها، امسكها من ذراعها برفق ونظر إلى عينيها مباشرة وخاطبها بصوت خافت : "أنت أ أبنتي مهمومة، مضيومة، جريتي وجاريتي، سببتي وداويتي، ومجابش الله التاويل، عندك أبنتي العكس والديار في زوج حوايج، الأولى في الصحة، ما تاتشوفي نوم، تباتي تخممي، بالك محتار تاتفكري في لي بغاه قلبك، والثانية عندك في المال، أنت أ بنتي متبوعة في ذهبك إلا كانتي هازة دمالج أو أقراط أو خواتم ذهبية ، حيدي ذهبك نبخ ليك فيه"، أنا مرسول أ بنتي من أرض الشرفا.

لم تشعر "نعيمة" بنفسها إلا وهي تنزع سلسلتها الذهبية وأقراطها وخاتما و سلسلة يدوية وتمدها إليه، فأخرج كيسا بلاستيكيا ووضع الذهب داخله ثم "بخ" (نفث فيها) وفي سرعة خيالية وبحركات شبه سحرية، استبدل الكيس بمثيله الذي سبق أن أعده خصيصا لمثل هذه العملية، فشرع في ترديد بعض الكلمات المبهمة التي هي في الأصل عبارة عن لغو لتمويه الضحية، ثم أعاد الكيس وخاطب "نعيمة" "هانا أبنتي بخيت بالبركة ديال جدودي، سيري أو حسبي سبعة الخطوات ومتلفتيش، وإلا تلفتي خوفي عليك".

كانت "نعيمة في هذه اللحظات شبه منومة وهي تحسب الخطوات السبعة، وحين التفتت بعد الخطوات السبع لم تجد أمامها إلا الفراغ، عندها تفحصت ذهبها، فأصيبت بالذهول ، لتدرك أنها تعرضت لشكل جديد من النصب والاحتيال، وليس بحوزتها سوى بعض حلي "البلاكيور" الزهيدة الثمن.

في مقر مفوضية الشرطة بسطات، وعندما فرغت من سرد قصتها أمام الضابط المداوم، أخبرها بأنها راحت ضحية نصب من عصابة "للسماوي" وأكد لها بأن السيدة التي تحدثا معها جزء من الخطة وجزء من شبكة النصب، وسجل أقوالها في محضر رسمي وأخذ أوصاف الشخصين، وبعد مرور أسبوعين تم استدعاؤها لمفوضية الشرطة لمدينة برشيد، وتم عرض موقوفين عليها فتعرفت على الشخصين اللذان نصبا عليها، واللذان تم توقيفهما بعد فشلهما في عملية نصب ب"السماوي" بمدينة برشيد.