سطات المدينة والحكاية
سطات حكاية مدينة متعبة وجريحة..مدينة طوت أمجادها كما القصبة الاسماعيلية،فتكاثرت عليها ألسن الناس،ينهشون لحمها بكلام المنجمين والسحرة.
ويوم دخلت المدينة،ظننت أن الطائرات العسكرية مرت من سمائها وأدركت فيما بعد أن عمليات هدم البيوت الواطئة والمحطة الطرقية والسوق البلدي وحانة المعمر الفرنسي ومحل بيع السجائر والمجلات والكتب ومكتب البريد..كانت مرحلة لاستئصال الذاكرة وإلغاء هندستها الكولونيالية..لم يكن أبناء المدينة يتساءلون عن ذاك المعماري الجديد الذي جيء به على طبق من ذهب لينجز المهمة الكبرى فاعتلى اسم المهندس المشرقي العمارات الممتدة من المدخل الشمالي إلى الجنوبي وقد قسمت المدينة إلى ضفتين كي لا يراها العابرون والمارون وهي تجر دوابها كما البؤس الجاثم على صدرها..كان آخرون يغردون على الحي اليهودي..قالوا أن الترميم سيحافظ على الواجهات والأقواس ويراهنون على تسويق الملاح لأسر لن تعود ثانية لجوار المسجد العتيق..كان غير المهندسين من باعة البخور الشرقي وتجار العبايات وأطباء شعبيون والذين يفهمون في الأمراض المزمنة ووصفات الفحولة قد انتشروا في الحي والبعض الآخر هدم البيوت لتصير مقاولات ناشئة في كراء السيارات وصرف العمولات..
كنت تحتضرين أيتها المدينة..ضاعت منك الحقول الصغيرة وضيعات الثمار والفاكهة وعلى جسدك نمت مصانع كاذبة من الاسمنت..أبناؤك غيبتهم خطابات عن المطبعة الكبرى في شمال إفريقيا عن المطاحن عن صناعة الألبسة والمواد الغذائية وكنت تلجين في ظلمة الوهم..حتى استفاق أبناؤك على مكروه جسيم..
هل كان يحق لهم أن يرهنوك للصندوق الجماعي من أجل مسبح أولمبي وملعب الغولف الملكي وأنت تكابدين شحة الماء والمهندسون الزراعيون على مشارفك يقولون ويؤكدون أنك في منطقة شبه جافة لما دار الزمان عليك..
فيك الناس دخلوا غرفة الإنعاش ولما استفاقوا من غيبوبتهم البيضاء وجدوا الجذور منك قد تآكلت..والريف القريب منك يسجل خصاصا قاسيا في تربية الأطفال وتعليمهم والنساء أميات والمسالك الطرقية التي وضعت في العهد الاستعماري ومنذ الأربعينيات ظلت معطلة وغدا كل شيء فيك لا يوحي بالحياة..
مرت سنوات ونخبك تجهش باللغة وباللعنة كلما اجتمعوا في هذه البناية التي كانت وصلة لتقديم الأخبار يتساءلون عن هذا اليومي الثابت والمتمنع عن التحول والانتقال إلى وضع أفضل..يكفي فقط أن يستبدلوا مواقعهم فيتنكرون لهذا الوضع المقرف والذي لم يكن سوى من اختيارات أياديهم وصناعة محلية لم تسقط من السماء..
من راكم الثروة يلعن المدينة من رضع من ثدييها الطازجتين يشير إلى مدن بعيدة سلطت سخطها وغضبها على هذا المكان..الناس هنا لهم قدرات غريبة في التخلص من قراراتهم ومواقفهم وما أنتجوه من اختلالات راكمت البؤس الاجتماعي..بعضهم يعلن في واضحة النهار عن أياديه النظيفة التي لم تكن في يوم من الأيام في أمس الحاجة للمطهر..ويظن أته وحده التقي النقي والآخرون جردان..
حين فقدت المدينة ذاكرتها،استباحها البعض وسوق تطلعاته على أساس أنها المعبر السليم للخروج من عنق الزجاجة..
كنت مدينة طيبة يتحولق فيك الناس قرب مسجد عتيق وينصتون للوعاظ الوطنيين من علموا الناس أن الكراسي هاوية ..وكانت فيك أسرا ترحل بعيدا بأطفالها من أجل العلم وأصروا أن تكون لك مدرسة تربي الناس على قيم الوطنية ومناهضة الاستعمار وفريقا رياضيا أسسه الشيوعيون الأوائل لينقلوا السلاح إلى رجال البيضاء مندسا مع بذلاتهم الرياضة وكانت فضاء لصناعة أبطال لا يقهرون في الملاعب وكان رجال آخرين يحافظون للناس على فنون الطرب والسماع ولا يلوكون كلام السوء في الأعراض..
لكن جاء نسل جديد، بمعاول هدم القيم الإنسانية الجميلة كما هدمت ذاكرة المدينة، يحفرون في أعراض الناس باحترافية كبرى ويصنفون البشر يتهمون هذا ويرمون الآخر بالتخابر..ومن أعلى أبراج النميمة والدسائس يمارسون وجودا ساقطا لا تقوى الحياة على استمراره..
كان الرهان قائما على أن تكون الجامعة بالمدخل الشمالي للمدينة القاطرة التي ستجر هذا التعب إلى رحاب التمدن لكن جرى نحو حرمها محترفوا الشعارات بالتعاونيات السكنية يناورون على أن لا يكون للعلم سلطة على مستقبل المدينة..فهل بالإيديولوجيات سنبني مدنا للعيش في رحاب العصر الرقمي؟



