المال السايب لجماعة سطات.. من يحمي من؟ أكثر من 81 مليون درهم على ذمة ملزمين أسماؤهم معلومة ويد القانون اتجاههم مغلولة
يؤرق "الباقي استخلاصه" من ميزانيات الجماعات المحلية بمختل الجماعات ومن بينها جماعات إقليم سطات، القائمين على تسييرها والمتتبعين للشأن المحلي، خاصة بالجماعات القروية ذات المداخيل الهزيلة من أكرية محلات تجارية وسكنية وعقارات في ملكيتها. وأضحت الظاهرة ورما ووباء ينخر نسبة مهمة من ميزانية تسيير جماعات "فقيرة" بحاجة إلى جرعات أنسولين تخرجها من سكتة وشيكة لدواليبها. وتتعدد أسباب عدم استخلاص تلك المداخيل، كظاهرة مالية معقدة ومركبة، متأرجحة بين التهاون في التدبير وغض الطرف لدوافع مرتبطة بحسابات سياسية تحكمها خلفيات انتخابوية، خاصة أمام رفض بعض المكترين الانضباط، دون مراعاة تأثيرها السلبي على السير الطبيعي للجماعة، ما يفرض اللجوء إلى القضاء وما يتطلبه الحسم من وقت.
وليست الجماعات الحضرية بمنأى عن تراكم "الباقي استخلاصه" خاصة أمام ضعف مساطر التحصيل الجبري في ظل ضعف أو غياب الهيكل التنظيمي للمصلحة الجبائية المختصة ومشكل التواصل بينها وبين الملزم بالأداء، وعدم تحيين القوانين وجعلها أكثر تفهما ومراعاة للصعوبات والجهود القائمة لاستئصال هذه الظاهرة التي تطول إدارات أخرى بينها المحاكم.
ويرى المتتبعون أن الخزينة العامة للمملكة مطالبة أكثر من أي وقت مضى باتخاذ كل الإجراءات والتدابير اللازمة لإيجاد الحلول الضرورية لوضعية ارتفاع نسبة الباقي استخلاصه من الضرائب المحولة، رغم ما يبذل من جهود لتنمية المداخيل الناتجة عن الرسوم والواجبات المحلية للجماعة الحضرية بسطات.
ومن خلال قراءة دقيقة ومتأنية في مداخيل الجماعة الحضرية لسطات للسنة المالية الماضية، يتضح أن نسبة الاستخلاص متفاوتة من مجال إلى آخر، رغم أنها تبدو مرتفعة في مجموعها، لكن ذلك يجب ألا يكون غربالا تحجب بواسطته شمس حقيقة الظاهرة المستشرية بالجماعة التي استخلصت مداخيل مهمة.
لايخفى على أحد بأن "الباقي استخلاصه" بجماعة سطات، أصبح يعرف منحى تصاعديا وتراكما منهجيا، أدى إلى ارتفاع المبالغ غير المستخلصة إلى حوالي 81 مليون درهم، تهم الجماعة الحضرية لسطات، المدبرة من طرف مديرية الضرائب و الخزينة الإقليمية، بعد أن ظلت مخلدة في ذمة الملزمين لسنوات عدة، مما يؤكد عدم جدوى الإجراءات التي تمت صياغتها و التي يرتبط تفعيلها بعدة عوامل وأسباب ذاتية تارة وموضوعية تارة أخرى وأحيانا مرتبطة باكراهات ميدانية تحول دون الوصول للملزمين ، وهنا لا يمكن إغفال الدور السلبي الذي يلعبه بعض المسؤولين المنتخبين في تضخيم حجم الباقي استخلاصه، حيث يفضلون عدم بذل أي مجهود لتحصيل المستحقات الجماعية التي سبق تاريخ استحقاقها فترة انتدابهم بدعوى أنهم لم يكونوا مسؤولين وقتها، إلا أن هذا الموقف يرجع أحيانا إلى عدم إثارة غضب الملزمين الذين يعتمدون على أصواتهم في الاستحقاقات الانتخابية، وهذا ما يضيع على ميزانية الجماعة أموالا مهمة للقيام بمشاريع تنموية والتأثير في بلورة الفائض التقديري.
ولتحقيق التنمية المنشودة وضمان الاستقلالية والمناعة المالية، وجب ضرورة توفر الجماعة الحضرية لسطات على موارد مالية قارة وكافية، وجرأة سياسية قادرة على استرجاع الموارد المالية التي تشكل مجالا خصبا لتنمية المدينة باعتماد أدوات التسيير الأمثل في المجالات المالية من خلال إجراء وتفعيل مجموعة من التدابير.
ولا بد من الوقوف على الأسباب الحقيقية للباقي استخلاصه التي يمكن تصنيفها بين الاشكالات القانونية، المتعلقة بالإدارة الجبائية، والاشكالات المتعلقة بالقضاء، والاشكالات الخاصة بالملزم.
ولتجاوزها لا بد من اعتماد مقاربة شمولية وتشاركية لكل الفاعلين من إدارة، أحزاب سيا سية، مجتمع مدني، وسائل الإعلام، المدرسة والجامعة…
ونظرا لأهمية الملزم في التمويل يلزم التركيز على ترسيخ المواطنة الجبائية والمسؤولة، واستحضار الإصلاح على مستوى الإدارة الجبائية بترسيخ النجاعة، الفعالية، والتواصل الجبائي، وترسيخ ثقافة البحث العلمي الميداني.
وللإجابة عن الإشكالات الجبائية بما فيها ظاهرة الباقي استخلاصه، الذي يمكن تصنيفه ضمن دين حقيقي قابل للتحصيل وآخر ميؤوس من استرجاعه، يطرح أكاديميون ومهتمون عشرة توصيات لتجاوز ظاهرة الباقي استخلاصه.
أولا: إشراك جميع المتدخلين في مجال تدبير الجبايات المحلية وتنسيق جهودهم في هذا الإطار.
ثانيا: تفعيل المساطر المتعلقة بالإحصاء والمراقبة والفحص الجبائي لتحديد وضبط الباقي استخلاصه الغير المكلف به وإصلاح وتأهيل الإدارة الجبائية المحلية، بتنظيم هياكلها وتأهيل مواردها البشرية كما ونوعا، وتحفيزهم ماديا ومعنويا، وتوفير الوسائل المادية والمعدات والبرامج المعلوماتية اللازمة للقيام بمهامهم.
تالثا: تحسين التواصل الجبائي بتوسيع دائرة إشراك الملزمين في تدبير الجبايات المحلية وتعزيز بنيات الإستقبال والإرشاد والإنصات لمطالبات المرتفقين، ووضع استراتيجية للتوعية والتحسيس بأهمية الجبايات المحلية في دعم التنمية الترابية.
رابعا: الإسراع بإصدار الدوريات التفسيرية والتعليميات للقوانين والنصوص المتعلقة بإعداد وتحصيل الجبايات المحلية ، وكذا دليل المساطر الجبائية.
خامسا: العمل على إخراج الإطار القانوني للمحصلين الجماعيين حيز الوجود وتحديد اختصاصاتهم وعلاقتهم بالآمرين بالصرف وباقي المحاسبين العموميين، كما تم التنصيص عليه بالمادتين 14 و 15 من المرسوم المتعلق بسن نظام للمحاسبة العمومية للجماعات المحلية ومجموعاتها، واقتراح تحويل مهام التحصيل إلى جهاز مستقل.
سادسا: وضع ميثاق الملزم المحلي وإحداث طريقة تحفيزية خاصة للتعامل مع الملزم الملتزم بواجباته الجبائية، وخصوصا الآداء مع القيام بتفعيل الإجراءات الزجرية في حق الملزم المخل بالواجبات المذكورة.
سابعا: خلق منظومة معلوماتية، تمكن من التصريح والآداء عبر الطريقة الإلكترونية بالنسبة للجبايات المحلية المدبرة من طرف مصالح الجماعات المحلية.
تامنا: تحسين الخدمات المقدمة للملزمين مقابل الرسوم المؤداة من طرفهم لفائدة الجماعات المحلية.
تاسعا: تعزيز ثقافة حسن تدبير الموارد المتأتية من تحصيل الجبايات المحلية
عاشرا: العمل على إحداث بنك معطيات مشتركة بين جميع المتدخلين في ميدان تحصيل ديون الجماعات الترابية، بما سيسهم في القضاء على ظاهرة الباقي استخلاصه.



