بين واقع الأمر وضرورة التنظيم.. احتلال الملك العمومي شبح يخيم على شوارع مدينة سطات
مدينة سطات العزيزة التي كان يضرب بها المثل في نظافة شوارعها وأزقتها، تحولت في السنين الأخيرة إلى ورش مفتوح لكل أنواع احتلال الملك العمومي، إذ انتشرت ظاهرة التجارة العشوائية "الفراشة" بشكل مهول، حيث تعمل على تشويه المظهر الحضاري للمدينة وتدني الرونق الجمالي لها. إن التجارة العشوائية أو ما يصطلح عليها بالفراشة ظاهرة حقيقية وواقع ماثل بمدينة سطات، وطريقة التعاطي المؤسساتي والمدني معها أثبتت عدم نجاعتها لحد الآن .. من الجانب الآخر لا يقتصر احتلال الملك العمومي على الفراشة فقط بل امتد إلى أصحاب المنازل والفيلات الذين رسموا لدورهم السكنية ملحقات من الملك العمومي.
تعددت حلقات المبادرات لتنظيم استغلال الملك العمومي في مدينة سطات، لكن جميعها انتهت دون أن تحقق ما كان يرجى منها، لتظل "الحرب" قائمة إلى درجة أن من المواطنين من بات يحتل ويبني في مئات الأمتار من الملك العمومي، نظير تهاون اللجن المختلطة في تطبيق المساطر القانونية. معادلة صعبة وتناقضات كثيرة أصبحت سمة لصيقة بأجمل مدينة سنة 1996، فاللجن المختلطة استسلمت للوضع ولم تعد تحرك ساكنا، سكوب ماروك ركب التحدي وقرر النبش في الموضوع.
صور من الإهمال الطويل
الصورة الجميلة التي يرسمها زوار قيساريات المدينة ليست هي الصورة ذاتها بالنسبة إلى سكان وأصحاب المحلات التجارية في هذه القيساريات، فهناك تذمر كبير من انتشار الباعة المتجولين في كل أزقة سطات، كما أصبح عبور هذه الأزقة يعتبر امتحانا حقيقيا لقياس نسبة تحمل ومدى صبر كل مواطن، فهناك اكتظاظ كبير طيلة ساعات اليوم، خاصة في أوقات الذروة، التي تبدأ في الساعة الثانية عشرة وتنتهي في العاشرة مساء تقريبا.. ولم يعد سكان المدينة يستمتعون بلحظات من الراحة والهدوء في ظل صياح الباعة المتجولين والفراشة، إلى درجة أن هناك من أصبحوا يفكرون جديا في بيع منازلهم والإنتقال إلى مكان آخر، لكن المشكلة بالنسبة إليهم هي أنهم اعتادوا الاستقرار في هذه المدينة الألوفة.
فوضى وتسيب شوه الهندسة المعمارية للمدينة
عبث احتلال الملك العمومي بالهندسة المعمارية والجمالية لمدينة سطات وحولها إلى سوق للخردة بوجود سياجات وأقفاص حديدية أمام كل منزل مستعملينها لوضع خردهم بل منهم من قام ببناء جدران اسمنتية فوق الملك العمومي مضيفا مئات الأمتار لملكيته والنماذج متعددة من حي البطوار، حي الكمال، حي القسم، حي ميمونة، حي الفرح، حي الكمال، حي سيدي عبد الكريم، درب عمر… كما أعطت الفرصة لبروز الفوضى والتسيب مما ساهم بشكل كبير في عزوف السكان عن احترام القانون في ظل وجود شخصيات نافذة من مدبري ومسؤولي المدينة لا يحترمون القانون.
إن القيام بجولة قصيرة في أحياء المدينة دون استثناء كفيل للوقوف على الوضعية الكارثية التي تحولت إليها تصاميمها المعمارية، فقط يختلف حجم المساحة المستغلة دون ترخيص حسب قوة نفوذ المحتل.
تهديد بالإمتناع عن أداء الضرائب
هدد تجار المدينة بالإمتناع عن أداء الضرائب، لأن تجارتهم تأثرت كثيرا من وجود ظاهرة الفراشة.. واعتبروا أنه من غير المعقول أن يستمروا في أداء الضرائب في ظل منافسة غير متكافئة، فهناك العشرات من الفراشة الذين يبيعون السلع نفسها بأثمنة بخسة مقارنة مع أسعار التجار من مالكي المحلات التجارية، الشيء الذي يجعل المواطنين يقبلون على شراء احتياجاتهم من الفـراشة .. كما صرح أحد التجار أنه اضطر إلى الاستعانة بعدد من العاطلين عن العمل ومدهم بالسلع لبيعها في بعض المواقع، لعله يعوض بعض خسائره.. وفي هذا الإطار قال متضرر آخر : "إن الباعة المتجولين يفرضون حصارا علينا من كل مكان، ويبيعون السلع بأثمان بخسة مقارنة مع أسعارنا، وقد بعثنا مجموعة من الشكايات إلى السلطات المحلية والمنتخبة وعقدنا لقاءات معهم لمناقشة هذه الظاهرة، إلا أن ذلك لم يكن كافيا لإيجاد حل لهذه الظاهرة، التي تنخر جسد الاقتصاد الوطني وتهدد التجار الرسميين بالإفلاس".
وعود مؤسساتية في مهب الريح
صادق المجلس البلدي على عشرات المقررات تقضي بتحرير الملك العمومي في أكثر من دورة، لكن غياب سياسة فعالة وواضحة من طرف المجلس البلدي والسلطات المحلية والسلطات الأمنية والمجتمع المدني لمحاربة هذه الظاهرة التي أصبحت تؤرق بال السكان. إذ طالب أعضاء المجلس البلدي بتفعيل المقررات السابقة، وكذا استمرارية حملة اللجنة المختلطة لمحاربة الاستغلال غير مرخص للملك العمومي. إلا أن الواقع يتحدث ليقول أن المجهودات المبذولة ظلت خجولة لمحاربة هذه الظاهرة، في ظل وجود حملات متقطعة ليتم رجوع المحتلين إلى مزاولة نشاطهم الزاحف على الملك .
احتلال الملك العمومي محطة للمزايدات السياسية والإنتخابية
أصبح موضوع احتلال الملك العمومي محطة مزايدات سياسية وانتخابية وكل يريد استغلاله لصالحه في الفترات الإنتخابية، بينما بمجرد مرور الفترة الإنتخابية يتنحى كل طرف عن وعوده. مما دفع بعض المواطنين لفك ارتباطهم باحترام القانون، وإلتحاقهم مع باقي مستعمري الملك العام، بحجة أن الجميع سواسية أمام القانون.
اعترف مصدر مسؤول بالمدينة بصعوبة حل مشكل احتلال الملك العمومي، مؤكدا أنه تم اقتراح حلول كثيرة لاجتثاث هذه الظاهرة، لكن دون طائل، وقال: "لا بد أن نعترف أن ظاهرة احتلال الملك العام، التي تحولت مع مرور السنوات، إلى أمر واقع ولا يمكن القفز عنه، وأي حل لا يستحضر تطبيق القانون على المواطنين سواسية يكون محكوما عليه بالفشل الذريع".
وأضاف المتحدث ذاته أن هناك مجموعة من الاقتراحات التي كانت محط نقاش مطول وعميق في اجتماعات مسؤولة، ولكن، للأسف، باءت جميعها، مع مرور الوقت، بالفشل، لتعود "حليمة إلى عادتها القديمة".
على سبيل الختم
أصبح احتلال الملك العام بمدينة سطات أمرا واقعا، ولا يمكن البحث عن أي مقترح بخصوص تنظيم هذا الوعاء العقاري العمومي في هذه المدينة دون استحضار المساطر القانونية التي يجب أن تطبق على الجميع دون استثناء، لأنه لا يمكن، بجرة قلم، أن تتحرر شوارع المدينة من صغار المحتلين في حين آخرون من ذوي النفود سال لعابهم على الملك العام وتلذذوا في احتلال من خلال بنيان اسمنتي قار وأي تعامل صارم مع هذه الظاهرة يمكن أن يؤدي إلى نتائج غير محمودة العواقب.
إن كل السلطات الأمنية و المنتخبة و السلطة المحلية و المجتمع والمواطنين مجبرون على الإنخراط الفعلي في مسلسل إنقاذ هذه المدينة الحيوية وإعادة جماليتها… و إذا كانت المسؤولية تتوزع حسب مواقع القرار، فهذا لا يعني بأي حال من الأحوال أن يتخلى الجميع عن دوره ويرمي الكرة للطرف الآخر، بحيث يجب أن يضع كل مواطن في ذهنه أن المدينة صورة عن أهلها و إذا كانت الصورة بهذا الشكل المأساوي فنحن في نظر الآخرين كذلك. فإلى متى ياترى ستظل مدينة سطات عنوانا للاحتلال الفوضوي للملك العام؟



