من التعيين إلى الإعفاء في لمح البصر.. من راجع لائحة الوزراء قبل رفعها إلى الملك؟

من التعيين إلى الإعفاء في لمح البصر.. من راجع لائحة الوزراء قبل رفعها إلى الملك؟

في السياسة المغربية، قد تحتاج بعض المفاجآت إلى انتخابات كاملة كي تصنع نجماً، وقد تكفي أخرى بضعة أسطر في بلاغ رسمي لتعيد ترتيب المشهد من أوله إلى آخره. وبين التعيين والإعفاء، يظل الرأي العام مطالباً بفهم ما جرى، فيما تبدو بعض الكواليس أكثر تعقيداً من أبسط دروس التربية على المواطنة!

حكاية ماديحة خيير، التي انتقلت من صدارة نتائج الانتخابات ببني ملال إلى رئاسة الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية، ثم إلى مقعد وزاري لم يدم طويلاً، تفتح باباً واسعاً للسخرية السياسية الهادئة: كيف لحزب يزخر بالوجوه النسائية أن يختزل حضوره الحكومي في اسم واحد، ثم يجد نفسه أمام أسئلة كان يفترض أن تُطرح قبل توزيع الحقائب، لا بعد رفع الستار عن التشكيلة الحكومية؟

ولأن السياسة عندنا لا تخلو من المفارقات، فقد بدا أن الطريق إلى الوزارة أقصر من الطريق إلى الإجابة عن الأسئلة المحرجة. فبين تزكيات الأحزاب وقبول ترشيحات الاستحقاقات التشريعية، ومقترحات رئاسة الحكومة، ومسطرة التعيين الملكي، توجد حلقات متعددة يُفترض أن تؤدي وظيفة أساسية: التأكد من أن الأسماء المقترحة التي لا تستوفي شروط الانتماء السياسي فحسب، بل تحظى أيضاً بما يكفي من الثقة والوضوح لمواجهة مسؤولية تدبير الشأن العام.

أما ما راج بشأن شهادة طبية قديمة وادعاءات مرتبطة بملف قضائي يعود إلى 2004، فلا يجوز تحويله إلى إدانة جاهزة، ولا اتخاذه مادة للتشهير أو المساس بالحياة الخاصة. فالوثائق المتداولة إن صح مضمونها ليست أحكاماً قضائية، والاتهامات لا تصبح حقائق لمجرد تكرارها في المنابر ومواقع التواصل. لكن احترام قرينة البراءة لا يعني منح المؤسسات السياسية شيكاً على بياض، ولا إعفاءها من واجب التحقق والتوضيح عندما تثار أسئلة مشروعة بشأن معايير الاختيار.

وهنا تكمن المفارقة التي تستحق أكثر من تعليق ساخر: إذا كانت الأحزاب تتنافس على تقديم الكفاءات، ورئاسة الحكومة تتحمل مسؤولية اقتراح أعضاء الفريق الحكومي، فما الآليات التي تضمن جدية التدقيق في الأسماء قبل وصولها إلى محطة التعيين؟ وهل تكفي المشاورات السياسية وحدها لصناعة الثقة، أم أن تدبير المسؤولية العامة يحتاج إلى ما هو أكثر من تزكية حزبية وصورة رسمية؟

إن إعفاء مسؤول أو مسؤولة ليس، في حد ذاته، دليلاً على صحة كل ما راج بشأنه، كما أن التعيين لا يشكل شهادة نهائية على خلو المسار من كل سؤال. وبين الأمرين، توجد مساحة واسعة للمساءلة السياسية والمؤسساتية، حيث ينبغي للوقائع المثبتة أن تتحدث، وللمؤسسات أن توضح، وللقانون أن يحتكم إليه الجميع.

ولعل الدرس الأبرز في هذه الحكاية أن اختيار الوزراء لا ينبغي أن يكون سباقاً نحو ملء الكراسي، بل اختباراً حقيقياً لجودة الاختيار وشفافية المساطر. فالحكومة ليست قاعة انتظار، والوزارة ليست تجربة قصيرة الأمد، والرأي العام ليس جمهوراً يُطلب منه التصفيق عند التعيين ثم التزام الصمت عند ظهور الأسئلة.

قد تنتهي حكاية حقيبة وزارية ببلاغ ملكي سامي، لكن الأسئلة التي تسبق التعيين وتلي الإعفاء لا تنتهي بالضرورة معه. ومن حق المغاربة أن يعرفوا كيف تُصنع الاختيارات الحكومية، ومن يتحمل مسؤولية التحقق منها، وكيف تُصان الثقة العامة من الارتجال وسوء التقدير.

في النهاية، يتعلم الأطفال في المدرسة أن مراجعة الورقة قبل تسليمها للمعلم هي أساس النجاح في الامتحان. يبدو أن بعض سادتنا السياسيين بحاجة ماسة إلى العودة إلى مقاعد الدراسة الابتدائية؛ ليس لتعلم التربية على المواطنة فقط، بل لتعلم باديء ذي بدء: أن تقرأ ما كتبت، وتفحص من اخترت، قبل أن ترفع الورقة وتفاجأ بالنتيجة!