كواليس انتخابات سطات.. حين يترشح البعض للبرلمان بسلاح “الميكروفون” وذخيرة السب والشتم!

كواليس انتخابات سطات.. حين يترشح البعض للبرلمان بسلاح “الميكروفون” وذخيرة السب والشتم!

يا لها من ديمقراطية عجيبة تلك التي بدأت بعض فصولها في سطات تُكتب بالسباب، وتُلقى بالصراخ، وتُختتم أحياناً بالاحتكاك والاشتباك!

ففي الوقت الذي يفترض أن يكون فيه المرشح منشغلاً بإقناع الناخبين ببرنامجه، وجدنا بعض “العباقرة” الانتخابيين وقد اختصروا الطريق، وقرروا أن البرنامج الانتخابي يمكن تعويضه بجرعة محترمة من السب، وأن الحجة الدامغة هي رفع الصوت، وأن الرد السياسي الناجع هو شتم الخصم أمام جمهور المهرجان! وان الذخيرة هي رمي أكبر كم من الأوراق الانتخابية في الشوارع وتجنيد أضخم أسطول للسيارات المكتراة أوا لرجوع لوكلات تأجير مياومين للمشاركة في الحملات الانتخابية تحت الطلب دون الفقة في أدنى أبجديات السياسة….

مشاهد فيديو متداولة على شبكات التواصل الاجتماعي تُظهر عبارات نابية وتلميحات واتهامات متبادلة بين محسوبين على بعض المرشحين، فيما تتحدث مشاهد أخرى عن سجالات واحتكاكات بين أنصار هذا الحزب أو ذاك. وبهذا المعدل، لا نستبعد أن تحتاج بعض المهرجانات الانتخابية مستقبلاً إلى حكم وسط الميدان، وطبيب مستعجلات خلف المنصة، وربما “VAR” انتخابي لإعادة مشاهدة اللقطات!

المؤسف أن الأمر لا يتعلق بمراهقين يتشاجرون أمام مقهى الحي، وإنما بأجواء يفترض أنها جزء من استحقاق تشريعي وطني، يفترض أن يختار فيه المواطن من يتولى مهمة التشريع والرقابة والدفاع عن مصالحه داخل المؤسسة البرلمانية. فأي رسالة يريد بعض هؤلاء إيصالها إلى الناخب؟ هل يقولون له: صوّتوا لنا لأننا نعرف كيف نسب الخصوم؟ أم: اختارونا لأن أنصارنا أكثر قدرة على الصراخ والاحتكاك؟

أم أن الرسالة الجديدة هي أن البرلمان أصبح امتداداً طبيعياً لحلبة المهرجانات، وأن من يستطيع إسكات خصمه بالضجيج يستطيع غداً أن يدافع عن مصالح المواطنين تحت قبة البرلمان؟!

والأدهى من ذلك أن بعض الحملات يبدو أنها لم تجد في المناضلين والمؤطرين الحزبيين ما يكفي من “القوة البشرية”، فاستُعيض عن العمل السياسي المنظم بما يشبه جيوشاً انتخابية موسمية مأجورة، تظهر مع بداية الحملة وتختفي بانتهائها، حاملة الأعلام واللافتات ومكبرات الصوت، وأحياناً ما هو أخطر من ذلك: خطاباً مشحوناً لا علاقة له لا بالسياسة ولا بأخلاق المنافسة.

هكذا تتحول السياسة من نقاش حول مستقبل الإقليم إلى مسابقة فيمن يصرخ أكثر، ومن يجمع أنصاراً أكثر، ومن يستطيع أن يحاصر خصمه بالضجيج! لكن المفارقة الكبرى ليست هنا.

المفارقة أن بعض الأحزاب، على المستوى الوطني، تتحمل جزءاً من مسؤولية هذا المشهد عندما تصبح عملية اختيار المرشحين خاضعة، في نظر منتقدين، لحسابات لا تبدو دائماً مرتبطة بالكفاءة أو التجربة أو القدرة على التواصل السياسي الحقيقي مع المواطنين.

فحين يأتي “المرشح المعلّب” من خارج قواعد الحزب، ثم يُطلب من المناضلين أن يصفقوا له، ومن السكان أن ينتخبوه، ومن المنافسين أن يعاملوه كأنه ظاهرة سياسية مكتملة الأركان، فلا ينبغي أن نستغرب إذا انتهت الحملة إلى “سيرك انتخابي” بدل أن تكون مدرسة في الديمقراطية.

والحقيقة التي ينبغي قولها دون مساحيق هي أن المرشح الذي يحتاج إلى شتم خصمه حتى يُسمع صوته، قد يكون في حاجة إلى مراجعة خطابه قبل أن يطالب الناخب بمراجعة اختياره. أما تحويل المنصات الانتخابية إلى فضاءات لتوجيه اتهامات ثقيلة، أو استعمال عبارات قد تكون محل مساءلة قانونية، فذلك ليس “شطارة انتخابية”، ولا بطولة سياسية، ولا دليلاً على قوة الشخصية.

القانون الانتخابي ليس ديكوراً يُعلّق على أبواب المقرات الحزبية، ولا منشوراً يُقرأ في الاجتماعات ثم يُرمى في الأدراج. والنصوص المغربية ذات الصلة بالانتخابات تجعل نزاهة وشفافية الاقتراع من صميم المشروعية الانتخابية، كما أن بعض الأفعال المرتكبة خلال العملية الانتخابية يمكن أن تترتب عنها آثار قانونية بحسب طبيعتها وثبوتها.

ومن هنا، فإن كل مقطع فيديو متداول، وكل شكاية، وكل طعن، وكل واقعة موثقة، يفترض أن تُقرأ بميزان القانون لا بميزان الولاءات الحزبية. فليس كل ما يلمع في “الفايسبوك” حقيقة، وليس كل ما يُقال فوق منصة انتخابية حقيقة، ولكن أيضاً ليس من الحكمة أن تتحول الحملة الانتخابية إلى فضاء مفتوح لكل شيء ثم نطلب من المواطن أن يثق في الديمقراطية!

سطات تستحق انتخابات أكبر من هذا.

تستحق مرشحين يتحدثون عن التشغيل، والصحة، والتعليم، والبنيات التحتية، والفلاحة، والاستثمار، والعدالة المجالية، لا مرشحين يتفرغون لتشريح خصومهم أمام الكاميرات او الاستعانة بقواميس “تعاونو معانا، أنا ولد عمكم، ديروا معانا إيد الله….”، تستحق أحزاباً تقدم للناخب مشروعاً قبل أن تقدم له صورة المرشح.

وتستحق، قبل كل شيء، أن تعيد الأحزاب النظر في الطريقة التي تختار بها مرشحيها، لأن المشكلة لا تبدأ يوم يصعد المرشح إلى المنصة؛ المشكلة قد تبدأ يوم يُقرر الحزب، في غرفة مغلقة، أن هذا هو الشخص الذي يستحق أن يحمل اسمه ورمزه أمام الناخبين.

وإذا كانت هذه الانتخابات قد كشفت شيئاً، فهو أن معركة إصلاح السياسة لا ينبغي أن تبدأ يوم الاقتراع، بل قبل ذلك بكثير: يوم تُكتب لوائح الترشيح، ويوم تُحدد معايير الاختيار، ويوم يصبح الانتماء السياسي والكفاءة والنزاهة والقدرة على تمثيل المواطنين أهم من منطق “هذا عندو الناس” و”هذا عندو النفوذ” و«هذا عندو الشكارة يقدر يدير الإنزال”.

أما أن يُختزل الاستحقاق التشريعي في عدد السيارات، وحجم الجموع، وارتفاع مكبرات الصوت، وعدد الشتائم الموجهة إلى الخصوم، فهنا لا بد من دق ناقوس الخطر. لأن البرلمان مؤسسة تشريعية، وليس “ستاد” انتخابي. والناخب السطاتي ليس جمهوراً جاء ليصفق للفائز في مباراة الملاسنات.

إنه مواطن يحمل ورقة اقتراع، ويملك في لحظة واحدة سلطة أكبر من كل الجيوش الانتخابية: أن يقول لمن شاء: نعم… ولمن شاء: لا.

ويبقى السؤال الذي تطرحه «سكوب ماروك» بصوت مرتفع:

إذا كان بعض المرشحين عاجزين عن إدارة خلاف انتخابي دون سب أو شتم أو توتر بين الأنصار، فهل المشكلة في الناخب الذي لم يفهم رسالتهم… أم في الرسالة نفسها؟