سطات.. صناعة الحيرة أكثر من صناعة الحياة
في كل مساء من أمسيات الصيف، يبدأ فصل جديد من الحيرة بالنسبة لي كمواطن سطاتي أب لطفلين، على غرار عدد من الأسر السطاتية الأخرى: إلى أين نذهب بالأطفال؟ سؤال يبدو بسيطاً في مدن كثيرة، لكنه في سطات يتحول إلى معادلة معقدة، لا تحتاج إلى عبقرية لحلها بقدر ما تحتاج إلى فضاءات ومرافق عمومية تستوعب نبض الحياة. فالمدينة التي يتجاوز عطشها للترفيه حرارة فصل الصيف، لا تزال تفتقد، في نظر كثير من سكانها، إلى مرافق ترفيهية كافية تتيح للعائلات قضاء أوقات فراغها في ظروف لائقة، بينما تبقى الخيارات المتاحة محدودة أو مكلفة بالنسبة لشريحة واسعة من المواطنين.
أما الحدائق، ورغم أهميتها، فتتحول مع حلول المساء إلى فضاءات مكتظة، تختلط فيها ضحكات الأطفال بمظاهر سلوكية مؤسفة، من رمي للنفايات وإتلاف للمساحات الخضراء، وكأن البعض لا يرى في الفضاء العمومي سوى مكان يترك فيه أثر غيابه عن ثقافة المواطنة. وما إن تغادر الحديقة حتى تجد نفسك في مواجهة مشاهد أخرى؛ ازدحام مروري، وقيادة متهورة، وسلوكات من المتحرشين عبر سياراتهم لا تزيد المشهد إلا فوضى، فتدرك أن رحلة الترفيه قد تتحول في أي لحظة إلى اختبار جديد للأعصاب.
ولا تقف المفارقة عند هذا الحد. فحتى المرافق التجارية والمطاعم والمقاهي، التي يفترض أن تشكل متنفساً للعائلات، تبدو في نظر كثيرين أقل من الطموحات، سواء من حيث العرض أو جودة الخدمات أو ساعات الاشتغال خلال ليالي الصيف فأصغر المدن المجاورة تتوفر على عدد لا يعد ولا يحصى من العلامات التجارية العالمية. أما الخدمات الصحية المتخصصة، فلا يزال عدد من المواطنين يضطرون إلى البحث عنها خارج المدينة، في مشهد يعيد طرح سؤال العدالة المجالية الصحية بإلحاح.
وإذا كان الأحياء يضطرون إلى مغادرة سطات بحثاً عن عمل، متنفس، أو علاج، أو فرصة للتسوق والترفيه، فإن المفارقة التي تختزل حجم الإحساس بالحرمان هي أن رحلة المغادرة لا تتوقف حتى بعد إسدال الستار على الحياة. حيث يبدو أن سطات لم تعد تتسع حتى لاحتضان موتاها، إذ أن المقبرة التي يقصدها عدد من سكان المدينة توجد خارج نسيجها الحضري “الحوازة”. مشهد يختزل مفارقة موجعة؛ مدينة يغادرها أبناؤها وهم أحياء لقضاء أبسط حاجياتهم، ويغادرها بعضهم مرة أخيرة بعد الوفاة بحثاً عن مثواهم الأخير. قد يختلف المسؤولون في تفسير الأسباب، لكن وقع الصورة يبقى ثقيلاً في وجدان الساكنة، لأنها تطرح سؤالاً رمزياً قبل أن يكون عمرانياً: كيف لمدينة تطمح إلى المستقبل أن تعجز عن احتضان الإنسان من أول لحظة في حياته المدنية إلى آخر رحلة في مساره بعد الوفاة؟
ليست الغاية من هذا الحديث جلد مدينة يعشقها أبناؤها وبناتها، ولا توزيع صكوك الإدانة على هذا المسؤول أو ذاك، فالأزمات الحضرية لا يصنعها شخص واحد، كما لا تُحل بقرار واحد. إنها تراكمات سنوات طويلة من التأجيل والاختيارات غير المكتملة حتى تراكم الإرث إلى يومنا هذا ولا يزال يتراكم، حتى أصبح المواطن السطاتي يعيش مقارنة يومية بين مدينته ومدن مجاورة تبدو وكأنها تسابق الزمن، بينما يكتفي هو بمشاهدة عقارب الساعة وهي تدور في المكان نفسه.
سطات لا ينقصها التاريخ، ولا الموقع الاستراتيجي، ولا الطاقات البشرية، لكنها تحتاج إلى رؤية تجعلها مدينة تُعاش، لا مجرد مدينة يُسكن فيها. فالمواطن لا يطلب المستحيل؛ يريد فقط أن يجد مكاناً يصطحب إليه أطفاله دون أن يشعر أن الترفيه أصبح رفاهية او امتياز، وأن الخدمات الأساسية تحولت إلى رحلة خارج حدود المدينة. وحين يصبح البحث عن أبسط مقومات الحياة اليومية إنجازاً في حد ذاته، فذلك يعني أن الوقت قد حان لطرح السؤال الحقيقي: أي مدينة نريد لسطات في السنوات القادمة؟


