المزامزة الجنوبية.. عندما أعادت مراسلة العامل ‘حبوها” البوصلة القانونية إلى مجلس تاه بين السياسة والقانون
دخلت الأزمة التدبيرية بجماعة المزامزة الجنوبية بإقليم سطات منعطفاً جديداً، بعدما تحولت من مجرد خلاف سياسي بين مكونات المجلس الجماعي إلى ملف قانوني ثقيل يضع رئاسة الجماعة تحت مجهر المساءلة، ويعيد إلى الواجهة سؤال احترام الشرعية القانونية داخل المؤسسات المنتخبة.
بداية القصة تعود إلى 14 ماي 2026، حين تقدم 17 عضواً من أصل 28 يشكلون الأغلبية المطلقة داخل المجلس الجماعي بطلب رسمي، سجل تحت عدد 265، يدعون فيه رئيس الجماعة إلى عقد دورة استثنائية للتداول في عدد من القضايا التي اعتبروها مستعجلة ومرتبطة بتدبير شؤون الجماعة ومصالح الساكنة. وهو الطلب الذي يكتسي طابعاً إلزامياً بموجب المادة 36 من القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات، التي تلزم رئيس المجلس بالاستجابة له داخل آجال قانونية محددة.
غير أن ما حدث بعد ذلك فتح الباب أمام سلسلة من التساؤلات القانونية. فبدل التفاعل الفوري مع الطلب وفق ما يقتضيه القانون، استغرقت مصالح الجماعة ثمانية أيام كاملة قبل إشعار عامل إقليم سطات بالأمر، من خلال مراسلة تحت عدد 353 مؤرخة في 22 ماي 2026، وهو تأخير أثار علامات استفهام حول مدى استيعاب المقتضيات القانونية المؤطرة للدورات الاستثنائية.
الأكثر إثارة أن المراسلة الجماعية اقترحت عقد الدورة الاستثنائية يوم 26 يونيو 2026، أي بعد أكثر من شهر من تاريخ تقديم الطلب، في تجاهل واضح لمقتضيات المادة 36 التي تلزم بعقد الدورة داخل أجل أقصاه خمسة عشر يوماً من تاريخ تقديم الطلب من طرف الأغلبية المطلقة لأعضاء المجلس.
وأمام هذا الوضع، جاء تدخل عامل إقليم سطات محمد علي حبوها، حاسماً وحاملاً لرسائل قانونية عميقة. فمن خلال مراسلته رقم 331 المؤرخة في 8 يونيو 2026، لم يكتف العامل بتسجيل الملاحظة الشكلية المرتبطة بتاريخ انعقاد الدورة، بل أعاد رسم الحدود الفاصلة بين السلطة التقديرية لرئيس المجلس والإلزام القانوني الذي لا يملك تجاوزه أو الالتفاف عليه.
وقد اعتبر متتبعون للشأن المحلي أن هذه المراسلة شكلت درساً قانونياً راقياً لرئيس الحماعة ومصالح الجماعية، في كيفية تنزيل مقتضيات القانون التنظيمي للجماعات، ورسخت مبدأ أساسياً مفاده أن تدبير الجماعات الترابية لا يخضع فقط لمنطق الأغلبية والمعارضة، بل لسلطان القانون الذي يسمو على كل الاعتبارات السياسية والحسابات الظرفية.
هذه التطورات لم تتوقف عند حدود تصحيح المسار القانوني للدورة الاستثنائية، بل سرعان ما تحولت إلى أرضية لمواجهة مؤسساتية جديدة، بعدما بادر نواب للرئيس ورؤساء لجان دائمة وأعضاء بالمجلس إلى مراسلة عامل الإقليم للمطالبة بتفعيل مقتضيات المادتين 64 و67 من القانون التنظيمي رقم 113.14، معتبرين أن ما وقع لا يندرج ضمن مجرد خطأ مسطري عابر، بل يشكل إخلالاً جسيماً بالقانون وعرقلة للسير العادي للمرفق الجماعي.
وتكتسي هذه الخطوة أهمية خاصة بالنظر إلى أن المادتين المذكورتين ترتبطان بآليات قانونية استثنائية يمكن أن تفضي، إلى مباشرة مساطر العزل أو التوقيف نتيجة مخالفات جسيمة تمس السير العادي للمؤسسة المنتخبة و تتعارض مع القوانين والأنظمة الجاري بها العمل.
وبين موقف الأغلبية التي تتحدث عن خرق صريح لمقتضيات المادة 36، وبين رئاسة جماعية تجد نفسها في مواجهة انتقادات قانونية متصاعدة، تبدو جماعة المزامزة الجنوبية اليوم أمام واحدة من أكثر المحطات حساسية منذ بداية الولاية الانتدابية الحالية.
فالقضية لم تعد مرتبطة فقط بتاريخ دورة استثنائية أو بمراسلة إدارية متبادلة بين الجماعة والعمالة، بل أصبحت عنواناً لصراع أعمق بين منطق التدبير السياسي ومتطلبات الشرعية القانونية، وبين حدود التدبير الحر للجماعات الترابية وواجب الخضوع للقانون.
وفي انتظار ما ستسفر عنه مراسلات المنتخبين، وما إذا كانت السلطة الإقليمية ستتجه إلى تفعيل المساطر القانونية المطلوبة، يبقى المؤكد أن ملف المزامزة الجنوبية تحول إلى اختبار حقيقي لمدى احترام المؤسسات المنتخبة لمقتضيات القانون التنظيمي للجماعات، وإلى نموذج عملي يؤكد أن دولة المؤسسات تبدأ أولاً من احترام الآجال والمساطر والنصوص القانونية، قبل أي اعتبارات أخرى.


