مطمورة المغرب.. حين يتكلم الرماد !!

مطمورة المغرب.. حين يتكلم الرماد !!

في الشاوية، لم يعد التقويم الفلاحي يقتصر على الحرث والبذر والحصاد. فقد أضيف إليه، على ما يبدو، موسم جديد يطل كل سنة دون موعد رسمي، لكنه يحضر دائماً في الوقت المناسب: موسم الحرائق.

فما إن تكتسي الحقول لون الذهب وتستعد السنابل لمغادرة الأرض نحو المخازن، حتى تظهر النيران وكأنها ضيف شرف غير مدعو إليه، يتجول بين الدواوير بحرية أكبر من حرية بعض الخدمات العمومية في الوصول إلى تلك المناطق. والغريب أن هذا الضيف المزعج لا يحتاج إلى دعوة ولا إلى ترخيص، بل يكفيه قليل من الرياح وكثير من الحظ السيئ ليحول تعب عام كامل إلى سحابة دخان.

المشهد هذه المرة كان استثنائياً. الفلاحون يركضون خلف النيران، والجرارات تتحول إلى آليات إطفاء محلية الصنع، والشباب يخوضون حرباً غير متكافئة ضد ألسنة لهب لا تعترف لا بحدود الملكيات ولا بحرمة مواسم الحصاد. أما بعض المسؤولين، فقد دخلوا السباق على طريقتهم الخاصة: سباق البحث عن الأسباب قبل إخماد النتائج، وسباق تشكيل اللجان قبل عدّ الخسائر، سباق تعبئة التجهيزات والآليات على قلتها قبل استحضار أسطورة طائرات “الكنادير”…

في ليلة العيد، وبينما كان المغاربة يستعدون لاستقبال المناسبة بالتكبير والفرح، كانت بعض أسر الشاوية تستقبل الدخان والهلع وصفارات الإنذار. هناك لم يكن السؤال: “كم يبلغ ثمن الأضحية؟” بل “هل سننجو من النار؟ وهل بقي شيء من البيت أو الحقل أو القطيع؟”.

المثير في الأمر أن الشاوية المشهود لها بأراضيها المنبسطة، التي تضم السدود والبحيرات والسهول الشاسعة، ما زالت تواجه الحرائق بمنطق “البركة في الشباب”، حيث يتحول الفلاح فجأة إلى رجل إطفاء، وسائق الجرار إلى خبير في مكافحة النيران، فيما تظل طائرات الإطفاء “الكنادير” أشبه بأسطورة يتداولها الناس أكثر مما يشاهدونها في سماء المنطقة.

وفي انتظار أن تنتهي التحقيقات من البحث عمن أشعل الشرارة الأولى، كانت النيران قد أنجزت عملها كاملاً، دون الحاجة إلى محاضر أو تقارير أو اجتماعات تقييمية. فهي، على عكس البشر، لا تؤجل القرارات ولا تنتظر الاعتمادات المالية ولا تطلب تأشيرة المرور بين الجماعات الترابية.

المفارقة الأكثر إيلاماً أن الشاوية، التي يطلق عليها المغاربة لقب “مطمورة المغرب”، كادت خلال أيام قليلة أن تتحول إلى أكبر مستودع للرماد في البلاد. فهناك من فقد محصوله، وهناك من فقد قطيعه، وهناك من فقد بيته، وهناك من فقد عزيزاً لن يعود أبداً. لكن الجميع ربح شيئاً واحداً: المزيد من الوعود بضرورة التفكير مستقبلاً في عدم تكرار ما وقع.

والمغاربة يعرفون جيداً هذا النوع من الوعود. إنها تلك التي تظهر مباشرة بعد الكوارث، ثم تختفي مع أول قطرة مطر أو أول حدث جديد يشغل الرأي العام. أما الفلاح، فيبقى وحيداً وسط أرض سوداء، ينظر إلى بقايا محصوله المحترق، ويحاول أن يفهم كيف يمكن لسنوات من التخطيط أن تنهزم أمام دقائق من اللهب.

في النهاية، قد تكشف التحقيقات من أشعل النار، لكنها على الأرجح لن تكشف سراً أكبر: لماذا لا نستيقظ إلا بعد أن يتحول القمح إلى رماد؟ ولماذا نتعامل مع الوقاية دائماً باعتبارها ترفاً إدارياً، ثم نكتشف بعد الكارثة أنها كانت أرخص بكثير من ثمن الخسائر؟

وبين رماد الحقول ووعود الإصلاح، يبقى السؤال الذي يتكرر بعد كل مأساة: هل ننتظر الحريق القادم لنكتشف من جديد أن الوقاية كانت أقل تكلفة من الكارثة؟ أم أن الشاوية مطالبة، كل صيف، بتقديم قربان جديد للنيران حتى يقتنع الجميع بأن الخطر حقيقي؟

سؤال مؤجل إلى الحريق القادم… لأن كل المؤشرات توحي بأننا بارعون في إطفاء النيران، لكننا لم نتعلم بعد كيف نمنع اشتعالها.