من اجتماعات مؤجلة لمؤسسات دستورية إلى مشاريع استراتيجية.. سطات تراهن على تدبير جديد للنفايات والتنمية

من اجتماعات مؤجلة لمؤسسات دستورية إلى مشاريع استراتيجية.. سطات تراهن على تدبير جديد للنفايات والتنمية

في الوقت الذي كان يُفترض أن تتحول فيه مجموعات الجماعات الترابية إلى قاطرة حقيقية للتدبير المشترك وتسريع وتيرة التنمية المجالية، أضحت أغلب هذه المؤسسات تعيش على وقع أعطاب بنيوية واختلالات مزمنة جعلت أداءها أقرب إلى “الإنعاش المؤسساتي” منه إلى الفعالية الترابية المنشودة. فباستثناء نماذج قليلة تعد على رؤوس الأصابع، تعاني معظم مجموعات الجماعات بالمملكة من شلل شبه دائم بسبب معضلة عدم اكتمال النصاب القانوني، التي تحولت إلى كابوس يؤجل الدورات ويجمد القرارات ويعطل المشاريع الحيوية.

هذا الواقع لا يرتبط فقط بسوء التنسيق، بل يكشف عن أزمة هيكلية عميقة في فلسفة التدبير المشترك نفسها، حيث إن تضخم عدد المندوبين الممثلين للجماعات، وتباعد النفوذ الترابي، وتداخل المسؤوليات بين العضوية داخل المجموعات وتدبير الجماعات الأصلية، كلها عوامل صنعت مشهداً مرتبكاً يصعب معه جمع الأعضاء حول طاولة واحدة في كل دورة. وتزداد الأزمة تعقيداً مع غياب أي تحفيزات مادية تشجع المنتخبين على تحمل مشقة التنقل لحضور اجتماعات لا تدر أي مقابل، ما جعل العديد من الدورات تتحول إلى مجرد مواعيد مؤجلة في انتظار اكتمال نصاب يبدو في أحيان كثيرة مستحيلاً.

هذا الوضع بات يفرض، بإلحاح، إعادة نظر تشريعية جريئة في طريقة اشتغال مجموعات الجماعات الترابية، من خلال تقليص عدد المندوبين وتوسيع صلاحيات المكاتب المسيرة لتدبير القرارات العادية، مع حصر الملفات الاستراتيجية الكبرى داخل الجموع العامة الموسعة. كما أصبح من الضروري إدماج آليات التدبير الرقمي والسماح بالحضور والتصويت عن بُعد، حتى لا تبقى المسافات الجغرافية والتزامات المنتخبين ذريعة جاهزة لتعطيل مؤسسات يفترض أنها وجدت لتسريع التنمية لا لعرقلتها.

وإذا كان هذا التشخيص ينطبق على المستوى الوطني، فإن مجموعة الجماعات الترابية “الدار البيضاء ـ سطات للتوزيع” تقدم نموذجاً صارخاً لهذا التعثر، بعدما اضطرت رئيستها نبيلة الرميلي أكثر من مرة إلى تأجيل الدورات بسبب غياب النصاب، قبل اللجوء إلى عقدها بمن حضر في “الفرصة الأخيرة”، في مشهد يعكس حجم الأزمة التي تطوق هذا النوع من المؤسسات. الوضع نفسه ينسحب على مجموعة الجماعات “بحيرة المزامزة” بإقليم سطات، حيث وجد رئيسها فريد بلحمر نفسه أمام عراقيل مالية وبشرية خانقة حالت دون تنزيل الأهداف المعلنة، في ظل غياب الإمكانيات وضعف المواكبة، فضلاً عن عراقيل ظاهرة وأخرى خفية تكبح أي محاولة للإقلاع.

وسط هذه العتمة المؤسساتية، تبرز مؤسسة التعاون بين الجماعات “البيئة والتنمية المستدامة” بسطات، كنقطة ضوء استثنائية استطاعت، رغم سنوات الجمود والخمول، أن تستعيد جزءاً من ديناميتها تحت قيادة رئيسة جماعة سطات الأستاذة ندية فضمي. فبعد نجاح جماعة سطات في اقتناء الوعاء العقاري المخصص للمطرح الإقليمي المراقب بما يقارب 300 مليون سنتيم، بدأت ملامح مشروع بيئي استراتيجي ترى النور، يقوم على إحداث مطرح إقليمي حديث يخضع لشروط التثمين والإنتاج الطاقي، في إطار رؤية جديدة لتدبير النفايات بالإقليم.

ولعل اللافت في هذا الورش هو حجم الالتقائية المؤسساتية التي رافقته، حيث استغلت رئيسة المؤسسة ندية فضمي تعذر اكتمال النصاب خلال دورة ماي الجاري، لعقد اجتماع موسع مع ممثلي وزارة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة وقسم التعمير والبيئة بعمالة سطات، من أجل تسريع تحيين دراسة الجدوى والانطلاق الفعلي للمشروع، خاصة بعد نضوج فكرة إنشاء مطارح محلية ببن أحمد والبروج لتحويل النفايات نحو المطرح الإقليمي وفق مقاربة تقنية حديثة.

الأكثر أهمية أن هذا المشروع لم يعد مجرد فكرة على الورق، بل تحول إلى ورش استراتيجي مدعوم بغلاف مالي ضخم، بعدما خصص مجلس جهة الدار البيضاء ـ سطات ما يقارب 11 مليار سنتيم لإنجاز المطرح الإقليمي، مع مساهمة الوزارة الوصية والجماعات المستفيدة، في نموذج يعكس كيف يمكن للإرادة المؤسساتية والتنسيق الجاد أن يحولا التعثر إلى فرصة حقيقية للتنمية.

وفي خلفية هذا التحول، تبرز أيضاً رؤية السلطة الإقليمية التي دفعت نحو إحداث طريق محوري بتمويل من وزارة الداخلية ومساهمة وزارة التجهيز، بهدف ضمان نقل سلس وآمن لشاحنات النفايات بين المطارح المحلية والمطرح الإقليمي دون الحاجة لولوج قلب المدينة، وفق معايير تقنية وهندسية مدروسة، في خطوة تؤكد أن التنمية الترابية لا يمكن أن تتحقق إلا عبر تكامل الأدوار وتوحيد الرؤى بين مختلف المتدخلين.