ربورطاج: حين يخاف السياسيون من “نجّار”.. رحال فاروق، سيرة عصامية لإبن بارّ يراهن على فضح “فراقشية” السياسة بسطات
في إقليم سطات، حيث تبدأ الحكايات من الأزقة الضيقة، قبل أن تصعد إلى منصات القرار، يتجدد النقاش مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية، وتطفو أسماء على السطح، بعضها وُلد سياسياً على عجل، وبعضها عبد طريقه باستعمال المال أو جاه آبائه، وبعضها الآخر نحت مساره كما يُنحت الخشب… بصبرٍ وإتقان. من بين هذه الأسماء، يبرز اسم رحال فاروق، شخصية جمعت بين عالم المال والأعمال وخبرة التدبير المحلي، قبل أن تتحول إلى مادة دسمة لجدل افتراضي لا يهدأ.
من التزكية إلى الرهان
بمجرد إعلان استقالته من حزب التقدم والاشتراكية، لم يترك رحال فاروق فراغاً سياسياً خلفه، بل اختار الالتحاق بحزب الأمل بإقليم سطات، في خطوة قرأها متتبعون باعتبارها انتقالاً محسوباً نحو فضاء يمنحه هامشاً أوسع للتحرك. قرار تزكيته لقيادة “قمرة الطائرة” خلال الانتخابات المقبلة لم يكن عادياً، بل جاء نتيجة مشاورات داخلية وُصفت بالجدية، انتهت بإجماع تنظيمي يعكس ثقة في قدرته على خوض غمار الاستحقاق.
غير أن الطريق لم يكن مفروشاً بالورود؛ فكما يحدث مع كل اسم صاعد، انقسمت الآراء بين داعم يرى فيه نموذجاً عصامياً، ومنتقد يحاول تقزيم مساره بالعودة إلى بداياته في مهنة النجارة، وكأن العمل اليدوي تهمة لا وسام. والحال أن هذه “البداية” هي ما يمنح القصة معناها الحقيقي.
سيرة تُنحت بالصبر
رحال فاروق لم يسقط من سماء الأعمال، بل بدأ من ورشات النجارة، حيث تعلّم كيف تُصاغ التفاصيل الصغيرة لتصنع الفارق الكبير. من هناك، شق طريقه نحو تأسيس مشروعه الخاص، قبل أن يوسّع نشاطه ويخوض مغامرة الاستثمار في قطاع التعليم، واضعاً لبنة أولى سنة 2006، ثم مطوّراً مشروعاً تربوياً متكاملاً بحلول 2017.
في هذه الرحلة، لم يكن الربح هدفاً معزولاً، بل جزءاً من رؤية أوسع تُراهن على الإنسان. هكذا، جمع بين عقلية المقاول وحسّ المستثمر في الرأسمال البشري، مع حضور موازٍ في العمل الجمعوي والحقوقي، راكم من خلاله شبكة علاقات وتجربة ميدانية جعلته رقماً صعباً في معادلة الفعل المحلي.
السياسة.. من الكواليس إلى الواجهة
لم يدخل رحال فاروق عالم السياسة من بابه الخلفي، بل راكم تجربة في إدارة الحملات الانتخابية لأخيه الذي كان رئيسا للغرفة الجهوية للصناعة التقليدية بجهة الدار البيضاء سطات، قبل أن يختبر نفسه في الميدان، محققاً مقعداً داخل مجلس جماعة سطات سنة 2021، حيث شغل منصب النائب الثاني للرئيس.
داخل المجلس، ارتبط اسمه بملفات البيئة والمساحات الخضراء، وهي ملفات غالباً ما تُؤجل لصالح أولويات أخرى. ورغم محدودية الإمكانيات، بصم على تدخلات وُصفت بالطموحة، بل وذهب أبعد من ذلك حين لجأ، في أكثر من مناسبة، إلى تمويل بعض المبادرات من ماله الخاص، في خطوة اعتبرها أنصاره دليلاً على التزام فعلي لا مجرد شعارات رفعها إبان حملاته الانتخابية.
اختياره لاحقاً الاصطفاف في المعارضة لم يكن انسحاباً بقدر ما كان، حسب مقربين، إعلاناً عن استقلالية القرار، ورفضاً لمنطق التوافقات الضيقة التي تُفرغ العمل السياسي من مضمونه.
“نجار”.. لكن !!
في أغلب الحالات يحاول منتقدو رحال فاروق التشويش على مساره العصامي، عبر تذكيره بحرفته الأصلية “النجارة”، متناسين قوله قال النبي ﷺ: “ما أكل أحدٌ طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده”، حيث يُقال عنه “نجار”، نعم… لكن بأي معنى؟
نجارٌ لم تتلطخ يده بالمال العام، ولم تُلاحقه شبهات فساد، بل بنى نفسه بنفسه، وأسّس أسرة متعلمة تخرجت من كبريات الكليات والمعاهد الجامعية الوطنية والدولية، وراكم تجربة مهنية ومجتمعية على مدى سنوات. في زمن تُقاس فيه القيمة أحياناً بالمظاهر، تبدو هذه السيرة نشازاً إيجابياً يستحق أن يكون نموذجا للناشئة.
الهجمات التي تطاله في بعض الأحيان عبر حسابات وهمية معروفة المصدر على منصات التواصل الاجتماعي لا تخرج، في نظر داعميه، عن كونها محاولات تشويش تقودها حسابات وهمية، تعجز عن مجاراة مسارٍ واقعي بلغة الإنجاز، فتلوذ بلغة التشكيك أو شخصنة الأمور.
ابن سطات… في مواجهة “الوافدين”
وسط فسيفساء من المرشحين، بعضهم قادم من خارج إقليم سطات، يقدّم رحال فاروق نفسه كابن بار للمدينة وهو الذي ولد بين حقولها سنة 1970، يعرف تفاصيلها الدقيقة، ويؤمن بأن إقليم سطات لا يعاني من نقص في الكفاءات بقدر ما يحتاج إلى من يثق فيها.
رهانه اليوم لا يقتصر على الفوز بمقعد برلماني، بل يتجاوز ذلك إلى كسر الصورة النمطية عن السياسة كفضاء مغلق، وإثبات أن المسارات العصامية قادرة على بلوغ مراكز القرار دون وساطات، دون اللجوء إلى “فراقشية” السياسة، دون اللجوء إلى أحزاب الصف الأول.
على سبيل الختم
بين ورشة النجارة وقبة البرلمان، مسافة لا تُقاس بالكيلومترات بل بالإرادة. رحال فاروق يخوض اليوم امتحاناً سياسياً جديداً، مسلحاً بخبرة ميدانية، وشبكة علاقات، ورؤية تُحاول أن تُترجم التراكم إلى تمثيلية. فهل تنجح هذه السيرة “المحفورة” في إقناع الناخبين؟ أم أن ضجيج الحملات سيطغى على صوت التجربة؟
الأكيد أن سطات، هذه المرة، أمام قصة مختلفة، بطلها “نجار” قرر أن يعيد تشكيل الخشب السياسي على طريقته. ليتأكد أن رحلة الكفاء هاته أو هذا المسار العصامي ليس جامدا أو صامتا.. بل يُقلق، ويُحرج، ويُخيف كل من اعتاد العيش في الظل أو لمن بنى مجده على العطب.


