حين تترك الإدارة بصمتها ويترك الغياب أسئلته.. عن العامل إبراهيم أبوزيد أتحدث !!

حين تترك الإدارة بصمتها ويترك الغياب أسئلته.. عن العامل إبراهيم أبوزيد أتحدث !!

ونحن نطوي صفحة شهر الصيام على إيقاع بهجة عيد الفطر، تأبى الذاكرة إلا أن تمارس “عصيانها الجميل”، فتستدعي صوراً لا تُؤرشف في أرشيف العمالة، بل تُحفظ في أرشيف الناس… هناك، حيث تُقاس قيمة المسؤول بقدر اقترابه لا بعلو منصبه. سطات، وهي تستعيد شريط تدبيرها المحلي، لا تزال تراقب عقارب الزمن منذ أن شدّ الرحال عاملها السابق إبراهيم أبوزيد نحو صفرو، تاركاً خلفه فراغاً… نعم، لكنه ليس أي فراغ، بل ذاك “الفراغ الأنيق” الذي يفضح كل امتلاءٍ بلا روح.

تسعة أشهر مرّت، وهي كافية -بل أكثر من كافية- لتُفرز الحقيقة من المجاملة، وتكشف الفرق بين إدارة كانت تفتح أبوابها قبل أن تُحصي عدد الزوار، تفتح بابها للمواطن قبل أن تُحصي بروتوكول الاستقبالات، ومن صار يفتح بابه على مهل، وكأنها رسائل مؤجلة لا تخضع لأي استعجال تنموي. بين من كان يعتبر الزمن التنموي سباقاً، ومن يتعامل معه كقيلولة إدارية مفتوحة على كل التأجيلات الممكنة.

صدقاً، لم يكن الخط التحريري لـ”سكوب” يوماً نشيد مديح، بل كان -كما ينبغي أن تكون الصحافة- مرآة تُجامل الإنجاز بقدر ما تُحرج التعثر. والمفارقة أن الرجل تقبّل تلك المرآة، بل نظر فيها دون أن يكسرها، لأنه ببساطة كان يدرك أن النقد الصادق ليس خصماً، بل حليفاً متنكرًا.

صدقا سادتي الكرام؛

ليس من باب الحنين المجاني أن نستعيد ملامح مرحلة، بل من باب المقارنة التي تفرض نفسها دون استئذان. فقد كان الرجل، حينها، يشتغل بمنطق “الإدارة التي تمشي على قدمين”، لا تنتظر التقارير بقدر ما تصنعها ميدانياً. من الإفطار مع نزلاء الخيرية الإسلامية إلى تقاسم لحظات إنسانية مع نزلاء السجن المحلي خلال الشهر الفضيل، وصولاً إلى الإشراف المباشر على توزيع المساعدات التضامنية لمؤسسة محمد السادس، كان ثمة خيط ناظم اسمه: “القرب” ذاك المفهوم الذي يُرفع شعاراً كثيراً ويُمارس قليلاً.

وبين صرامة القرار الإداري ومرونة التواصل الإنساني، نسج أبوزيد أسلوباً خاصاً في تدبير الشأن المحلي بالشاوية، قوامها عدم انتظاره أن تأتيه الحقيقة في ظرف مختوم من شركات خاصة بنكهة “الليتشين”، بل كان يذهب إليها، أحياناً دون موعد، عبر الخروج من المكاتب المغلقة إلى الأوراش المفتوحة، دون موكب يُعلن قدومه أو بروتوكول يُربك عفوية المعاينة. كان يزور، يُسائل، يُتابع، ثم يُقرّر. ثلاثية تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها نادرة في واقع يفضل أحياناً “تدوير الزوايا” بدل مواجهتها.

سادتي الكرام؛

لعل ما زاد من فرادة تجربة إبراهيم أبوزيد، أنه لم يكن فقط رجل ميدان بامتياز، بل أيضاً “حارساً أميناً” على تفاصيل المراسيم والبروتوكولات، يُتقنها بدقة العارف لا بجمود الحافظ. كان يُدير المناسبات الرسمية كما يُدير أوراش التنمية: بانضباط صارم وأناقة غير متكلفة، حيث لا يُترك شيء للصدفة، ولا يُبالغ في الشكليات حدّ قتل روح الحدث. يعرف متى يتقدم الصف، ومتى يفسح المجال، ومتى يتحول البروتوكول من قيدٍ ثقيل إلى لغة راقية تعكس هيبة الدولة دون أن تعزلها عن نبض المجتمع… وهي معادلة نادرة، لا يُتقنها إلا من فهم أن السلطة ليست فقط قراراً، بل أيضاً سلوك يُقرأ بين السطور.

والأكثر إثارة، أنه لم يكن من أولئك الذين يهربون من عدسات الكاميرا، بل كان يواجهها بقلب جريء وابتسامة محسوبة، لا تخونه ولا يبالغ فيها؛ يعرف كيف “يداعبها” دون تصنع، وكيف يحول حضورها من امتحان مربك إلى فرصة لتمرير رسائل هادئة بلغة الصورة… وكأن الرجل أدرك مبكراً أن في زمن الصورة، نصف التدبير يُرى قبل أن يُشرح.

سادتي؛

اليوم، ونحن نقف على مسافة تسعة أشهر من هذا الرحيل، يبدو السؤال أكثر جرأة من أي وقت مضى: هل كانت تلك الحيوية مجرد “ومضة شخصية” عابرة، أم أنها درس في التدبير لم يجد بعد من يجرؤ على نسخه؟ وهل ما نعيشه اليوم انتقال طبيعي، أم “استراحة محارب” بلا معركة أصلاً؟

عيد الفطر، في رمزيته، ليس فقط مناسبة للفرح، بل أيضاً لحظة مراجعة فردية كانت أو جماعية. وربما هي فرصة سانحة لطرح السؤال الكبير: هل تحتاج سطات إلى استعادة “روح أبوزيد”، أم إلى صناعة روح جديدة تُكمل ما بدأ، دون أن تكتفي باستحضار ما كان؟

بين الذاكرة والواقع، تبقى الحقيقة الوحيدة أن المدن لا تنتظر أحداً، لكنها لا تنسى من مرّ بها وترك فيها أثراً يشبه الأمل.