إقليم سطات نموذجا: بين المقصّ والوصاية..هل تُفرَّغ الجماعات الترابية من مضمونها الدستوري؟
لا يزال منتخبو إقليم سطات، ومعهم نظراؤهم عبر ربوع المملكة، يراقبون بقلقٍ متصاعد مسارًا متدرجًا لكنه ثابت، عنوانه الأبرز سحب الاختصاصات وتآكل القرار المحلي، تحت غطاء التأطير والحكامة، وبجوهر أقرب إلى إعادة تركيز السلطة بيد ممثلي الإدارة الترابية، على حساب ما تبقى من استقلالية الجماعات الترابية كما نص عليها الدستور.
فمنذ دخول القوانين التنظيمية حيز التنفيذ، بدا واضحًا أن فلسفة التدبير الحر، التي بشّر بها دستور 2011، تصطدم يومًا بعد يوم بجدار الوصاية المباشرة وغير المباشرة. اختصاصات كانت بالأمس القريب من صميم صلاحيات المجالس المنتخبة، جرى تفريغها أو تحويرها، أو إسنادها عمليًا إلى الإدارة الترابية، إما عبر مساطر معقدة، أو عبر اشتراط التأشير القبلي أو البعدي لعامل الإقليم، الذي باتت له الكلمة الفصل في مقررات ومحاضر دورات المجالس، قبولًا أو رفضًا، دون أن يكون للمنتخبين سوى هامش ضيق للمناورة.
وإذا كانت الرقابة الإدارية مبدئيًا آلية لضمان المشروعية، فإن الممارسة الواقعية أفرزت وضعًا ملتبسًا، تُمارَس فيه السلطة التقديرية للعامل بمرونة مفرطة، تجعل من المنتخب، في أحيان كثيرة، مجرد منفذ أو شاهد على قرارات لا يملك مفاتيحها. ويتعزز هذا الإحساس أكثر مع التوسع في تفعيل المادة 64 من القانون التنظيمي للجماعات، التي تحولت من أداة استثنائية لضبط حالات الشطط الخطير، إلى ما يشبه “مقصلة قانونية” معلقة فوق رؤوس المنتخبين، جاهزة للاستخدام كلما خرج منتخب عن طوع “أم الوزارات” أو ممثليها أو حاول ممارسة اختصاصه بنَفَسٍ استقلالي.
إن خطورة هذا المسار لا تكمن فقط في التضييق على المنتخبين، بل في نتائجه البنيوية بعيدة المدى. فالإفراط في استعمال آليات المادة 64 المذكورة، وتغليب منطق الردع على منطق المواكبة، يهدد بإفراغ الجماعات الترابية من محتواها التمثيلي، ويحولها إلى هياكل شكلية، بلا روح سياسية ولا مسؤولية حقيقية. وهو ما يفتح الباب أمام عزوف متزايد عن الترشح، ونفور صامت من العمل الجماعي، في وقت يفترض فيه أن تكون الجماعات رافعة للتنمية المحلية ومدرسة للديمقراطية القاعدية.
الأدهى من ذلك، أن بعض المسؤولين التابعين للقطاعات الحكومية أو ممثلي الإدارة الترابية، باتوا يحتلون واجهة المشهد المحلي، يخطفون الأضواء، ويُقدَّمون للرأي العام باعتبارهم صناع القرار الفعليين في الميدان، في مقابل تراجع صورة المنتخب في أعين الساكنة، وكأنه مجرد عنصر ثانوي في معادلة التدبير. وهي منافسة غير متكافئة، لا تبخس فقط صورة المنتخب، بل تفرغ العملية الانتخابية نفسها من معناها، حين يصبح الصوت الناخب بلا أثر حاسم في القرار العمومي المحلي.
صحيح أن عدداً من المبادرات التي قادتها السلطات المحلية، بتعليمات عاملية، حظيت باستحسان الساكنة، ولا يجادل أحد في جديتها أو نبل آثارها، من بستنة ونظافة، وتشذيب أشجار، وصباغة أرصفة، وتحرير للملك العام، وزجر لمخالفات التعمير، وتهيئة للشوارع، وصولاً إلى الإنارة العمومية والماء الصالح للشرب…، غير أن هذه الدينامية، من زاويتها القانونية الشكلية، تُعمّق مأزق المنتخب، وتُقدّمه كصورة باهتة أمام الناخب، الذي قد يتساءل ببراغماتية جارحة: لماذا ننتخب، إذا كان “المُعيَّن” ينجز، و”المنتخب” يشرح ويبرر؟
أمام هذا الواقع، يطرح السؤال الجوهري نفسه بإلحاح: هل ما نعيشه اليوم هو تنزيل فعلي للجهوية المتقدمة، أم التفاف ناعم عليها؟ وهل يُعقل الحديث عن تدبير حر، في ظل منظومة قانونية وممارسة إدارية تجعل المنتخب محاصرًا بين وصاية ثقيلة ومخاطر عزل دائم؟
إن إعادة النظر في هذه المنظومة لم تعد ترفًا تشريعيًا، بل ضرورة دستورية وسياسية. ضرورة تفرضها حماية التوازن بين الإدارة والتمثيلية، وصيانة ما تبقى من الثقة في المؤسسات المنتخبة، قبل أن تتحول الجماعات الترابية إلى مجرد واجهات إدارية، ويُختزل المنتخب في دور “كومبارس” داخل مسرح تدبير تُمسك خيوطه أيادٍ غير منتخبة ولا تمثل الساكنة.


