برلمانيون بلا أثر وإقليم يحتضر: هل سطات خارج خارطة الاهتمام السياسي؟
في قلب المغرب، تقبع عاصمة الشاوية مدينة سطات بين مطرقة التهميش وسندان الإقصاء، رغم أنها تمثل قوة انتخابية حقيقية بأصواتها، التي حملت ستة برلمانيين إلى قبة البرلمان. ستة أسماء من المفترض أن تكون صوت إقليم سطات وهمومه تحت القبة، لكنها تبدو – حتى إشعار آخر – أصواتًا غائبة، أو على الأقل غير مسموعة بما يكفي.
المفارقة أن سطات، برصيدها البرلماني “الثقيل”، تعيش وضعًا تنموياً هشاً وكأنها بلا تمثيل، وكأن كراسي البرلمان، التي يشغلها ممثلوها وُجدت للزينة والترف، وليس للتأثير والترافع.
في الواقع، لا أحد ينكر أن مهمة البرلماني، لا تنحصر فقط في التسيير المحلي، بل تمتد لمراقبة السياسات العامة والتشريع، لكن في بلد مثل المغرب، حيث الترافع البرلماني يمكن أن يُحدث فرقاً في مسار مدينة بأكملها، يصبح الصمت تواطؤاً غير معلن مع حالة الجمود. فماذا قدم هؤلاء البرلمانيون لمدينتهم؟ أين هي المبادرات؟ أين الترافع الحقيقي عن القضايا التنموية المتعثرة؟ بل، أين هو الحد الأدنى من الضغط لتحريك ملفات عمرت لعقود في رفوف الوزارات والقطاعات الحكومية؟
سطات ليست مجرد مدينة تعاني بعض الاختلالات التنموية، إنها نموذج صارخ لكيف يمكن للإهمال السياسي أن يحول مدينة نابضة، إلى ظل باهت لما كان يمكن أن تكون عليه، فشبابها يفرون كل صباح إلى مدن مجاورة بحثاً عن لقمة العيش، هاجرين حيها الصناعي، الذي كان يوماً شرياناً اقتصادياً حيوياً وتحول اليوم إلى مساحة شاغرة بلا حيوية ولا أمل إن لم نقل جسد بدون روح. فهل يحتاج برلمانيونا إلى دليل أوضح من مشهد شباب سطات وهم يقفون على قارعة الطريق، حقائبهم معلقة على أكتافهم، بحثاً عن فرص شغل في برشيد والحد السوالم؟
القصة لا تنتهي عند حدود البطالة وحدها، فعدد من المشاريع التنموية التي انطلقت لبنات إنجازها قبل عقود لا تزال حبيسة الورق أو متوقفة عند أطلالها الإسمنتية، وأخرى لا زالت حبيسة اتفاقيات شراكة لم يكتب لها الأجرأة والتنفيذ، فالمركز الثقافي او المسرح الكبير، الذي شرعت المدينة في تشييده نهاية الثمانينيات، لم يرَ النور بعد، بينما سوق الفتح، القادر على استيعاب مئات التجار وإنعاش الحركة الاقتصادية، يقبع في دائرة الانتظار بلا أفق واضح، ومشروع أسواق الشاوية أو أسواق السلام، لقي حتفه في الورق قبل خروج أولى لبناته للعيان، ومشروع….ومشروع…ومشروع…. فهل يعقل أن تبقى هذه المشاريع رهينة الإهمال في ظل وجود ستة برلمانيين من المفترض أن يحملوا ملفاتها إلى قبة البرلمان، ويطرقوا كل الأبواب لتحريكها؟
وهنا، لا بد من الاعتراف بأن البرلماني محمد غياث، يبقى السنا الوحيد والمتفرد، الذي حاول، بين الفينة والأخرى، كسر هذا الصمت البرلماني من خلال حضوره وتفاعله مع بعض الملفات، لكن حضوره ظل في إطار تدخلات بؤرية بجماعات بعينها لا ترقى لشمولية الإقليم برمته، دون أن يتحول إلى دينامية دائمة وشاملة تعكس التزاماً استراتيجياً تجاه الإقليم. حضور “غياث” لا يمكن إنكاره، لكنه في الآن ذاته لا يكفي وحده لدفع عجلة التنمية المعطلة فـ “اليد الواحدة لا تصفق”.
وسط هذا المشهد الضبابي، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: ما الذي يمنع هؤلاء البرلمانيين من تفعيل أدوارهم الكاملة؟ هل هو غياب الإرادة؟ أم الاكتفاء بلعب أدوار شكلية دون الغوص في عمق الإشكالات؟ أم أن حسابات انتخابية ضيقة تجعلهم أكثر حذراً من الانخراط في معارك حقيقية قد تكلفهم رصيداً سياسياً؟ الأسوأ من ذلك، هل يعتبرون أن إقليم أو مدينة سطات “مضمونة” انتخابياً، وبالتالي لا تستحق الجهد الكبير؟
الواقع يفرض حقيقة مرة: سطات بحاجة إلى تمثيل سياسي جريء يقتحم الملفات العالقة، ولا يكتفي بحضور شكلي أو تعليقات هامشية. برلمانيو المدينة مطالبون بالعودة إلى أدوارهم الجوهرية: مساءلة الحكومة، الضغط لتسريع المشاريع، والدفاع عن القضايا الاجتماعية التي باتت تخنق الإقليم.
فلا معنى لمقاعد برلمانية دون قوة تفاوضية حقيقية، ولا فائدة في تمثيل برلماني إذا كان الصوت غائباً في اللحظات الحاسمة. فهل يتملك أحدهم الجرأة للرد على هذا التساؤل؟ أم أن الصمت سيبقى العنوان الأبرز لمشهد سياسي ممل ومكرر؟ ربما هذا المقال سيثير القلق بين بعضهم، وربما سيحفز آخرين لإثبات عكس ما كُتب هنا. لكن الأهم من ذلك، هل ستحمل الأيام المقبلة تحولاً حقيقياً في تعاطي ممثلي سطات مع قضايا مدينتهم، أم أننا سنبقى نتساءل إلى متى ستبقى سطات مدينةً خارج خارطة الاهتمام السياسي؟
الكرة الآن في ملعبهم، فإما أن يخرجوا عن صمتهم، أو ليعترفوا صراحة أنهم اختاروا الوقوف في صفوف المتفرجين، بينما مدينة إن لم نقل إقليما بأكمله ينزف في صمت.


