ساكنة إقليم سطات تساءل أين اختفى “نُوّابُ الأمة”؟

ساكنة إقليم سطات تساءل أين اختفى “نُوّابُ الأمة”؟

يبدو أننا أصبحنا اليوم أكثر من أي وقت مضى في حاجة إلى وقفة تأمل عميقة في طبيعة المشهد السياسي بإقليم سطات ونوعية الفاعلين فيه، والبحث عن حلول لتجاوز حالة الطلاق الرجعي التي حدثت بينهما، وفضح ذلك العزول الذي أوقع الشقاق بينهما، والذي تسبب في انسحاب غير مبرر لعدد من ممثلي الأمة عن الشأن العام، وانزوائهم لقضاء مآربهم وتكليف آخرين لتلميع وجوههم في العالم الافتراضي.

وهكذا سادتي الكرام، سنعود بكم إلى أسابيع قليلة قبل 8 شتنبر 2021، حيث كانوا يتجولون بين عامة الشعب، يردون التحية بأحسن منها، بل وينزلون لأسمى درجات التواضع ويقبلون جبين الفقراء ويعانقون البسطاء ويجلسون القرفصاء مع المياومين والمعطلين ويلتقطون الصور مع صدقاتهم تجاه المتسولين ويتقاسمون أكواب الشاي و”السفنج” داخل الخيام “الغياطن” بالأسواق الأسبوعية بسراويل اتسخت من فرط التسكع داخل الأحياء الشعبية.

كانوا بسطاء مثلنا في تلك الأيام التي لا يتداولونها مع عامة الناس، كانوا متواضعين بشكل مفرط لحد التخمة، كانوا يرتدون ملابس بسيطة تجعل الناظر إليهم يتخيلهم منا، كانوا يتكلمون كثيرا ويرمون الوعود يمينا وشمالا، كانوا يتسولون الأصوات ويشحتون ويتوددون ويرغبون ولرؤوسنا يقبلون.

انتهى الاقتراع وأقفلت مكاتب التصويت وأحصيت الأصوات وفاز من فاز، ظفر ستة منهم  (محمد غياث، مصطفى القاسمي، بابور الصغير، ربيع هرامي، سعيد النميلي، محمد هيشامي) بمقعد مريح في القبة المكيفة بصفة نائب للأمة، مر شهر أول على انتخابهم، كنا نلتمس لبعضهم العذر، كنا نقول في قرارة أنفسنا لربما هم مرهقون و “تعبانين” من فرط تجولهم راجلين بيننا بعدما تعودوا على التجول بسياراتهم الفارهة ذات الزجاج الأسود الذي يخفي عنهم باقي عامة الشعب حتى لا يزعجونهم في الطريق، قبل أن ينضاف إلى المقاعد الستة مقعد جديد في مجلس المستشارين عبر بوابة انتخابات هيئة ممثلي مجالس الجماعات ومجالس العمالات والأقاليم الذي فاز به الدكتور مصطفى الدحماني.

سادتي الكرام؛

بعد مرور شهر ثان على الاستحقاق الانتخابي، كنا نقول “دبا يبانو لا زربة على صلاح”، كنا نعتقد واهمين أنهم نجحوا ووصلوا لقبة البرلمان ليدافعوا عنا نحن الطبقة المسحوقة من هذا الشعب، هاته الطبقة التي أوصلتهم لتلك المناصب، لأننا نحن من نصوت في نهاية المطاف، كنا وكنا وكنا ولم يظهر لعدد منهم آثر لحدود كتابة هاته الأسطر، ما جعلني أتذكر الخطاب السامي لجلالته الذي يفضح سبب تواريهم عن الأنظار، فهل “يخجلون من أنفسهم حين يقفون بإشارات المرور؟”

سادتي الكرام؛

من الإنصاف والعدل، القول إنّه لا يمكن وضع الجميع في سلّة واحدة، حيث لكل “حكم استثناء”، فالبرلماني “غياث” ظل مواصلا لزياراته شبه الأسبوعية لإقليم سطات، سواء لعقد لقاءات تواصلية مع المنتخبين او المواطنين أو لحضور أنشطة عاملية رسمية رغم انشغالاته كأول رئيس فريق برلماني التي تتجاوز تمثيل إقليم بحد ذاته إلى تمثيل وطن لدى العديد من الهيئات والتظاهرات الإفريقية والأورومتوسطية والدولية، يضاف له الشاب “هيشامي” برصيد متواضع من التجربة السياسية من جهة وأول فرصة له داخل قبة البرلمان من جهة ثانية، لكنه يحاول قدر المستطاع وفق امكانيته المتاحة الجمع بين الحضور للأنشطة الرسمية والتواصل بين الفينة والأخرى مع المواطنين، بينما الدكتور مصطفى الدحماني فربما تعتبر تجربته الأولى داخل الغرفة الثانية، حيث عانى في البداية بين خيبة حزب ومسلسل البحث له عن مكانة تليق بمستواه الثقافي لتوظيف مداركه العلمية والمعرفية، قبل ان تسرق منه منطقة بني مسكين معظم اهتماماته على حساب باقي مناطق الإقليم، في وقت كان الحظ عاثرا أمام   رجل الاعمال “بابور” بعد دخوله في سلسلة من مراحل التقاضي، دفعته لتقديم استقالته حيث لا زال المقعد شاغرا إلى حين تعيين وصيفة لائحته بشكل رسمي برلمانية جديدة، أما “القاسمي” فكانت أولى انشغالاته هي تبييض أسنانه على تقنية “هليود سمايل” حتى يتسنى له استعراض ابتسامته أمام عدسات الكاميرات في بعض الجلسات البرلمانية التي يحضرها أو اللقاءات البؤرية التي يعقدها بأحد مقاهي عاصمة الشاوية، بينما “هرامي” الذي ورث المقعد عن والده الماكينة الانتخابية بمنطقة امزاب، فقد اختفى عن الأنظار رفقة ابن منطقته “النيميلي”، اللهم بعض اللقاءات المحدودة بمنطقة امزاب أو داخل أحد باحات الاستراحة المعلومة.

صدقا يا سادتي الكرام؛

إنّ  معظم تلك الأصوات التي صدّعت رؤوس مواطني إقليم سطات بصدقها وتجرّدها في التفرّغ لخدمتها، كانت تطمح إلى الظفر براتب وتقاعد مُريحين، فضلا عن قضاء مآربها الأخرى، أما اليوم، وفي مواجهة المشاكل المحليّة لرعايا صاحب الجلالة بالإقليم، فإنها غير جاهزة للنضال وتحمّل التبعات والتضحية في سبيل المواطنين، لأنها لا تملك رسالة ولا مشروع تغيير تبذل جهدها لأجله، بل هي مجرّد فئات مدفوعة برغبة جامحة للتّرقية الاجتماعية، في حين لا يتخلّف صاحبُ الإرادة الصادقة في رفع الغبن عن المواطن، مهما كان مستوى التمثيل أو تضاءلت عوائدُه النفعيّة الشخصيّة.

سادتي الكرام؛

قد يقول البعض، مثلما جرى في مناسباتٍ سابقة، إنّ مثل هذه المؤاخذات النقديّة تعكس نفسية تشاؤمية، لا ترى من الألوان الزاهية إلا الأسود، بل إنها، في رأي معارضيها، معركة موجَّهة ومخدومة، بينما يؤكد الواقع، للأسف، غياب تمثيلية برلمانية حقيقية يمكنها تشكيل دراع للترافع على الملفات الحارقة لإقليم سطات لدى مختلف القطاعات الحكومية والمؤسسات المنتخبة محليا، إقليميا وجهويا، وذلك بهدف جعل الإقليم في صلب السياسات العمومية، حتى ينال حقه من الاستثمار العمومي.

إن ما يقع بإقليم سطات، يحيلني على ذكريات الصبى عندما كنا نلعب “مدينة الأصنام لا تتكلم ولا تتحرك”، واليوم بمنطق المتتبع الحالم بغد أفضل، وقفت على مدينة صماء بكماء لا أفهم ما يجري داخلها، ففي الوقت الذي يجب أن يمارس فيه نواب الأمة دورهم كاملا بعيدا عن حجية “أنا اختصاصي كبرلماني هو التشريع”، وتملأ الفراغ الموجود، وتكون صدى صوت الشعب، وتترافع على قضاياه الحقيقية، وتنقلها إلى قلب المؤسسات الرسمية، وتقدم البدائل وتملأ الساحة، أو على الأقل تساهم من راتبها السمين وتعويضاتها السخية لدى هياكلها وجمعياتها  الحزبية لتأطير المواطنين، وتكشف لهم ما خفي عنهم… لا نسمع، حاليا، لمعظم هؤلاء البرلمانيين صوتا، ماعدا  تقديم “بعض الأسئلة الكتابية التي لا تسمن أو تغني من جوع” أو بعض الاجتهادات الشخصية لأفراد معزولين، يحاولون ما أمكن، بعلاقاتهم الذاتية خدمة أجندة جماعات الإقليم. فما السر يا ترى وراء هذا الوضع المقزز…؟؟؟ هل إقليم سطات يعيش غياب الفاعل السياسي أمام ظهور الكائن الإنتخابي الذي يظهر تزامنا مع كل استحقاق؟

إن الفراغ والصمت الحالي يزيد فقط من تعميق أزمة ثقة المواطنين وبعدها، يجب ألا نستغرب من لجوء الناس إلى الشارع، ومخاطبتهم الملك مباشرة، واللجوء إليه في أبسط الأمور، في غياب تام لكل وسائل الوساطة الاجتماعية والسياسية، إذ لا يمكن أن يستمر الوضع الحالي كثيرا، ولا يمكن أن نبني الوطن بقوى سياسية غير قادرة على استيعاب دورها، ولا يمكن أن نرفع من منسوب التفاؤل بالمستقبل عند الناس.

وإلى حين ذلك، نوجه نداء لعموم المغاربة: “لي شاف فيكم شي واحد من برلمانيي إقليم سطات من هادوك لي صوتوا عليهم المواطنين باش يخدموهم، يقول ليهم ناس الشاوية توحشوكم، غير بانوا والله مبقا يحاشيه ليكم واحد…