رجاء دعوا الشمس تضيئ في الجهتين!
“لا تعيّر التمساح بقبح أسنانه قبل عبور النهر”، هذا ما يؤكده مثل أفريقي تذكرته، خلال الفترة الأخيرة، وأنا أشاهد تنامي عدد من الظواهر يبقى في مقدمتها “العنف” بمختلف أشكاله وتلويناته.
لست أخشى على وطني من أية مخاطر أو تحديات أو تهديدات أيا كان مصدرها، لكن خشيتي من ضياع بوصلة الأمل أمام أجيال جديدة تشعر بأن الفرص باتت محدودة أمامهم وأن مصاعب الحياة زادت تعقيدا وأن الدنيا لم تعد تلك الدنيا الجميلة التي كانوا يسمعون عنها من حكاوى الآباء والأجداد.
نعم يا سادتي الكرام؛
أخشى على وطني من عواصف العنف التي تستهدف الجيل الحالي من امتلاك بوصلة التفاؤل، بعدما عادت موجة الاعتداءات لتأكل الأخضر واليابس، فيوميا نسمع هنا وهناك اعتداءات تطال البلاد والعباد، فهذا أمني حاول تطبيق القانون فتعرض للضرب المبرح على يد جانح، وهذا شاب حاول بوسائله الافتراضية التعبير عن رؤاه وأفكاره مهما كانت، ما جعله هدفا لاعتداء جسدي من طرف مستشارة جماعية وآخرون، وهذا مستثمر يحاول التطاول على أرض الغير بمؤازرة من مؤسسات إدارية دون سند أو قانون، وهذه مدينة بأكملها تتعرض للضرب من تحت الحزام، ما جعل ماضيها أفضل بكثير من حاضرها…
العودة إلى حياة الغابة أو الخضوع لشريعة الغاب. عبارتان يكثر استخدامهما للدلالة على ممارساتٍ وسلوكيات توصف بأنها وحشية، والتنبيه إلى أنها تنطوي على خطر العودة لمرحلةٍ مبكرةٍ في التاريخ، حيث أن ظاهر الأمور يدل على أن هذا التصور منتشر على نطاق واسع، وكثيرة الكتابات التي تدل عليه، وربما آخرها كتاب قرأت عنه، ولم يتسنى لي الاطلاع عليه بعد، للكاتب الأمريكى “روبرت كاجان”، عنوان الكتاب يفيد معنى أن الغابة تنمو مرة أخرى “The Jungle Crows Back”، يضاف له اضطرار المديرية العامة للأمن الوطني ومراقبة التراب الوطني إلى خلق خلايا بولايتها ومفوضياتها تحت مسمى “مكافحة العصابات”، لكن عن أي عصابات نتحدث؟
السؤال الأخير لم يأتي عبثا، على اعتبار ان العصابات لم تعد تقتصر على الجانحين، الذين في غالبية الأحيان يتشكلون من الطبقات المسحوقة، بل امتد إلى بعض ما يزعم أنهم أعيان أو مسؤولو الوطن، الذين قد يشتغلون فرادى أو يشكلون تنظيمات تختلف مسمياتها، فكيف يمكن تبرير التطاول على عقارات الأجانب التي تشكل إحداها دينامو مداخيل خيرية إسلامية تأوي المسنين والأطفال؟ فكيف يمكن تبرير التصرف في أموال تعاونية أو ودادية سكنية بالملايير دون الرجوع للمنخرطين؟ كيف يمكن تبرير التطاول على مركب سياحي جماعي واستغلاله دون أداء مستحقات الجماعة من جهة وبعد فسخ التعاقد من جهة ثانية؟ كيف يمكن فتح عشرات المحلات التجارية والحرفية دون رخصة وأمام أعين الجميع دون تحريك المسطرة القانونية؟ كيف يمكن تبرير سطوة الأستاذ على طالبته وإجبارها على ممارسة الجنس مقابل الحصول على امتيازات؟ كيف يمكن تبرير تسخير مستثمر لمعظم المؤسسات الإدارية للضغط على مستثمر آخر بشتى أنواع الشطط لسلبه جزءا من عقاره المحفظ؟ كيف…؟ كيف…؟ وكيف…؟
يا سادتي الكرام؛
ما سلف ذكره، ليس التصور الوحيد للغابة، فثمة تصورٍ آخر ربما يجوز القول إنه أكثر عمقا، وكان في بدايته جزءا من رؤية فلسفية للطبيعة البشرية طرحها الفيلسوف “جون جاك روسو” في كتابه الذي يحمل عنوان “خطاب في أصل التفاوت وأسسه بين البشر”. فقد تصور روسو أن الفوضى بدأت عندما فرض الأقوى هيمنتهم على الأضعف، لتنتهي المساواة لتبدأ ضروب من الفوضى وفق تعبيره، وهو ما أكد الكاتب “جورج أورويل” عبر كتابه “مزرعة الحيوانات”، الذي يعتبر نقد مزدوج من جهة للنظام الستاليني ومن جهة أخرى للأنظمة الديكتاتورية الأكثر عمومية، حيث ثارت حيوانات المزرعة ضد سيدهم الطاغية.
يا سادة؛
علينا أن ننتبه لخطر ضياع بوصلة الأمل وأن نقدم لجيل الحاضر والقادم نموذجا لقيم الديموقراطية والشفافية تحت مظلة الإدراك بأن “العنف” وحده لا يكفي لصنع وطن اليوم والغد وبلوغ المقاصد، لكن بشيوع قيم التسامح والتآزر وتكافئ الفرص وجعل المواطنين سواسية أمام القانون لن يكون هناك مكان لليأس والإحباط! فلماذا اليأس والشمس لا تظلم في ناحية إلا وتضيئ في ناحية أخرى!


