صدق كَبُورْ عندما قال “مَا كَايَنْشْ مْعَامَنْ”.. عن أحداث جماعة سطات أتحدث

صدق كَبُورْ عندما قال “مَا كَايَنْشْ مْعَامَنْ”.. عن أحداث جماعة سطات أتحدث

بعدما اعتقدت الدولة المغربية أن صياغة دستور جديد سنة 2011، ووضع القاسم الانتخابي كآلية لإفراز تعددية حزبية وخروج الكيانات الصغيرة من الهامش إلى مراكز القرار، أنها ستنجح في القطع مع بعض المشاهد المخزية المخجلة، ها نحن نرى كيف تحولت قاعة الاجتماعات ببلدية سطات في رمشة عين إلى ساحة حرب بين فرقاء ما يقال عنهم سياسيين.

بكل صدق، هناك، إذن، ظاهرة جديدة وعنيفة تجتاح السلوكات العامة تحتاج إلى وقفة تأمل لتحليل أسبابها، انطلقت في جماعة سيدي حجاج مرورا بجماعة راس العين لتنتقل إلى مركب مولاي عبد الله بالرباط، مرورا إلى مركب أدرار بأكادير، قبل التوقف بمحطة المجلس الجماعي لبوزنيقة، لتليها في نفس اليوم موقعة قصر بلدية سطات خلال دورة استثنائية للمجلس البلدي.

بكل صدق، هل ستتدخل الدولة المغربية قبل انعقاد كل دورة للمجلس البلدي لسطات على غرار عدد من المجالس الأخرى لتشكيل لجن يقظة أمنية على غرار مباريات كرة القدم، تخلص إلى تعيين عشرات حراس الأمن في أروقة وردهات قصر بلدية سطات، ليس تحسبا لخروج الجمهور  الرياضي مثل ثور هائج وتدميره لكل شيء في طريقه، لكن هذه المرة لإخماد النار المشتعلة في عدد ممن يزعم أنهم نخب سياسية تمثل الساكنة التي أوصلتهم سلوكاتهم إلى العالمية، لأن العنف الهمجي اللفظي والجسدي والسلوكي المجاني المسجل في دورة دستورية تناقلته عدد من المنابر الصحفية الدولية، بل تربع على عرش المشاهدات في مختلف المنصات الإلكترونية، حيث يحتاج إلى علاج مستعجل وفعال، حتى لا يتحول من عنف مناسباتي إلى عنف بنيوي قائم ومتأصل.

بكل صدق، مسؤولية ما وقع دورة المجلس البلدي لسطات يتقاسمها الجميع بنسب متفاوتة، حيث يبقى دور الرئيس هو ضبط إيقاع ووثيرة المداخلات ومدتها وتأطيرها وفق الصلاحيات التي يخولها له النظام الداخلي والقانون النظيمي للجماعات، يضاف لها استئصال في ظروف مريبة لأحداث الشغب بدورة المجلس من البث المباشر “اللايف” على الصفحة الرسمية للمجلس البلدي في الفايسبوك، حيث كان حريا ترك الأمور على حقيقتها حتى يتسنى لمختلف الأصوات والأبواق الانتخابية التعرف على ثمار ما غرسوه في صناديق الاقتراع، يضاف له صمت القبور الذي خيم على بعض الفرقاء السياسيين دون حث زملائهم في نفس الحزب للعدول عن مساعيهم وتصرفاتهم المخجلة، التي دفعت عددا من المنتخبين إلى اختيار الدأب على الغياب أو “العزوف” النهائي عن حضور الدورات من قبيل “سليمان الإدريسي الخضراوي، فتح الله بالو، محمد بلكروح، عبد اللطيف قيلش، زهراء العربي..”، الذين أحالتني مناسبة غيابهم على “دعوة” دأب الوالدون على تكرارها على مسامع البارين من أبنائهم “أنَا بْغِيتَكْ النْهَارْ الخَايَبْ تْكُونْ غَايَبْ”.

بكل صدق، أعتقد أن السلوك العدواني بدورة المجلس البلدي لسطات، الذي تحولت إلى مشاهد مريعة سرقت نسبة كبيرة من المشاهدات على شبكات التواصل الاجتماعي، ليس سوى تعبير عن مكنون هؤلاء الصاعدون من صناديق الاقتراع التي هندسها سماسرة الانتخابات من جهة وأفرزتها دكاكين الأحزاب السياسية الموسمية التي لا تفتح أبوابها إلا إبان كل استحقاق انتخابي من جهة ثانية.

بكل صدق، يمكن الجزم أنه هناك أزمة أخلاقية وسياسية واجتماعية واقتصادية يعيشها المغاربة اليوم، مصدرها النقص الحاد في مادة التربية أكثر من أي شيء آخر، فهل كل شخص فشلت الدولة المغربية عبر كل مكوناتها المؤسساتية والمجتمعية في تربيته، يعني أننا سنكون مضطرين لتوظيف شرطة لمطاردته أو حراسة المحيطين به حفاظا على سلامتهم.

بكل صدق، لعل الشيء المهم الذي يجب على صانعي السياسات العمومية الانتباه إليه بخصوص الأجيال الصاعدة هو ضعف أو غياب التربية، وفي غياب أو ضعف التربية فإن الوازع الأخلاقي والوازع القانوني الزجري لا يكفيان لتكوين مواطن صالح، يمكنه تجنب ارتكاب الممارسات السالفة للذكر، ولذلك فعندما تزرع التربية في الطفل منذ حداثة سنه فإننا نكون قد غرسنا “تطبيقا” يشتغل داخله تلقائيا طيلة حياته، أي أننا نمنحه بوصلة يعرف بها الاتجاهات ويميز بين الاختيارات. هذه البوصلة تحديدا هي ما يفتقر إليها هذا الجيل وأصابت عدواها الجيل السالف، ولذلك نرى كيف يهيمون بتصرفات على وجههم دون هدف.

بكل صدق، لم تتوقف المهزلة عند ما راج في دورة المجلس البلدي لسطات، بل استمرت عبر ما يزعم أنهم صحافة، زادهم الوحيد كذا اعتمادات صحفية أو بطائق مراسلين تثير الريبة حول هوية حامليها ومانحيها، وذلك لعدة اعتبارات، يبقى أهمها طبيعة ونوعية العناوين التي تم صياغتها لمواكبة هذا الحدث بلغة لا تنتمي لا لبيان العربي ولا لسان العامي “الدارجي”، حيث يظل الهدف الأسمى لما اعتبرهم الزميل الإعلامي رشيي دنيني في أحد المقالات “الدخلاء” هو تحقيق أكبر عدد من المشاهدات والمتابعات ولو بتوظيف قاموس الصرف الصحي من قبيل “البونية في البلدية، مضاربة خيبة، الخضار يدخل العالمية، مول الزريعة ضحية اعتداء…”، أو لجوئهم لبيع مقاطع الفيديو إلى المتورطين في هذه المشاهد المشينة، سواء لتحريك الدعوى القضائية أو لاستعمالها كحجية للرد عليها.

بكل صدق، إن كل المتورطين في أحداث الشغب ببلدية سطات سواء الظاهرين أو القابعين في الكواليس، هم وهن أكبر ضحايا فشل الدولة ومؤسساتها التعليمية والتربوية في تكوين جيل نافع محصن من الوقوع ضحية هذا المرض، لأن مكمن الداء الحقيقي ومكمن العلاج هو البيت الأسري، ولذلك فكل وصفة دواء لا يضع صاحبها في حسابه إعادة النظر في المكانة المقدسة للبيت لن تجدي نفعا وعلى رأسه “الأم” كمدرسة أولى وفقا لقول الشاعر حافظ إبراهيم ” الأُمُّ مَدرَسَةٌ إِذا أَعدَدتَها أَعدَدتَ شَعباً طَيِّبَ الأَعراقِ”، حيث نساهم جميعا في صنع آلاف الأمهات الجاهلات وصانعات محتوى التفاهة التي يتغنى بهن “التيكتوك” و”اليوتوب” و”الانستغرام”، التي فضحت القاع العميق الذي وصلنا إليه، إذ أصبحت المرأة مستعدة لبيع كرامتها وكرامة زوجها وأبنائها من أجل المال.

بكل صدق، الحل يبقى في التربية، فهناك تفاصيل تبدو بسيطة غير أنها شكلت وعينا وموقفنا ونظرتنا في الحياة، حيث أن الذين يتساءلون لماذا تتكرر مثل هذه المشاهد المخجلة والمحبطة، أحيلهم على القولة “إذا كنت تعتقد أن كلفة التعليم باهظة جرب كلفة الجهل”، حيث لدينا فرصة أخيرة لتدارك الأمر قبل استفحال الكارثة، والحل تربوي وزجزي، من جهة يجب إنقاذ ما يمكن إنقاذه بالتعليم والتربية والتهذيب، بينما من جهة يجب على الأحزاب السياسية القيام بأدوارها التأطيرية والتكوينية لفائدة فرقائها، إضافة إلى ضرورة انتقائها الحكيم والسديد للمحظوظين من شرف تزكياتها إبان كل استحقاق انتخابي.

بكل صدق، لكل قول انعكاس واقتباس على المجتمع، حيث ما قاله بعفوية الفنان حسن الفن من خلال شخصيته التي ساهمت في شهرته “كَبُورْ”، والت تداولها المغاربة دون أن يكونوا على إدراك أنها الحقيقة المرة وهي “مَا كَايَنْشْ مْعَامَنْ”، كما أن غض البصر من طرف مسؤولي هذا الوطن والضامنين لاستقراره وآمن لبلاد والعباد، عما وقع ويقع من أحداث مؤسفة يوميا، سيجعلنا كمن يجلس فوق لغم ويعتقد أن تحركه لن يتسبب في انفجار، فالقادم أسوأ.