وطني يُحتضر للأسف…
في الأيام الأخيرة خرجت بعض الأفواه تقرع الطبول لمحاكمة البطل المغربي في رياضة التايكواندو مصطفى العمراني بتهمة القتل الخطأ لـ 11 طفل، ذلك الرجل الذي فكر في أن يقضي رفقة أطفال جمعيته الرياضية وقتا جميلا على الشاطئ، يمرحون ويلعبون ويتدربون، ويغازلون أحلامهم بأن يصبحوا أبطالا ذات يوم، فابتلعهم البحر من حيث لا يعلمون.
يكفي أن نضع أنفسها اليوم في وضع ذلك الرجل الذي فقد ابنه وابنته وكاد يفقد حياته وهو يحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه.. فجأة أراد البعض أن يحوله من مدرب كان يضحي بوقته من أجل رسم البسمة على شفاه رواد جمعيته إلى مجرم قضى على أرواحهم.. ولو كان الأمر بيده، لغرق هو وبقي الأطفال على قيد الحياة.
لا أعرف هذا الرجل، إلا أن متابعته بالقتل كفيل بنسف تلك المساحات البسيطة من الإنسانية التي لا تزال صامدة في أعماقنا.. لا يمكن تحميله غياب الحراسة في شواطئنا، لا يمكن تحميله مأساة حادث تؤكد كل المعطيات أنه كان مفاجئا وغير متوقع بالمرة، لا يمكن تحميله فاجعة تبقى في نهاية المطاف قضاء وقدرا..
مؤسسات الدولة تتحمل المسؤولية الكاملة في هذه الفاجعة، فقد كان من المفترض وضع "لافتات" مكتوب عليها "شاطئ خطير" أو "ممنوع السباحة"، لكن مؤسسات الدولة كانت مشغولة بلافتات موازين والدعاية الإعلامية له. السؤال اليوم، فاجعة طانطان قبل فاجعة واد شراط، لماذا لم تكن محاسبة لأي شخص بعد الحادث؟!! المدرب مجرد كبش فداء وهذا ما يزيد الطين بلة، مدرب ابن حي شعبي اتخذ مبادرة إنقاذ أطفال الأحياء الشعبية من آفة المخدرات والإجرام، الدور الذي كان على مؤسسات الدولة أن تقوم به، ها هو اليوم معتقل بتهمة بريئ منها براءة الذئب من دم يوسف.
مصطفى العمراني ليس قاتل، حيث ماتت إبنته ولم يدفنها و لم يتلقى التعازي، مصطفى العمراني لم يغتصب 11 طفل وخرج حرا طليقا إلى بلده، مصطفى العمراني لم يقتل 34 رياضي في مهد الطفولة بطنطان، مصطفى العمراني لم يكن سببا في فيضان الجنوب الذي حصد العديد من الأرواح البريئة، مصطفى العمراني لم يسرق 22 مليار لملعب الرباط وخرج بدون محاسبة، مصطفى العمراني لم يخرج فيلما جنسيا يبيد به عقل 35 مليون مغربي ومغربية، مصطفى العمراني لم يجلب جينيفر لوبيز لموازين لتصعد للخشبة بشكل عاري وتنقلها مباشرة القناة الثانية للمشاهد المغربي، مصطفى العمراني لم يقبل صديقته أو زوجته أمام البرلمان، مصطفى العمراني لم يكن من الذين يفطرون علنا في رمضان، مصطفى العمراني لم يدعم المثليين والزواج فيما بينهم، مصطفى العمراني لم يقترح قانونا خاصا بالإجهاض، مصطفى العمراني لم يقل لسارقي المال العام والمفسدين عفا الله عما سلف، مصطفى العمراني ليس بمهندس ليخطط تصميم عمارة بوركون التي تهاوت بسبب الغش، مصطفى العمراني لم يسرب لأبنائه إمتحان البكالوريا… مصطفى العمراني إنه بطل أنجب لنا الأبطال.
من يصنع الأبطال يسجن و من يصنع المراحيض المتنقلة بأجرة مثل "الزين اللي فيك" يكافئ و يتجول حرا طليقا فهل هناك إنسان في العالم سيقتل أبناءه؟ علينا اليوم أن نكون جميعا مصطفى العمراني، كلماتنا لن تعيد الموتى.. لكنها ستقف إلى جانب رجل يبكي دما كما تبكي أسر الضحايا.. ففي الوقت الذي تضيق فيه الحياة، على قلوبنا ألا تضيق. على الأقل إكراما لتلك الأزهار التي اقتطفها بحر غاشم لوطن يُحتضر للأسف…
{facebookpopup}



